عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

​”أنت حسبتها بالوقت؟”

 

“أنا بحسب كل حاجة،” فيكتور قالها وصوته كان هادي وراسي زي صخرة. “دي الطريقة الوحيدة اللي تخلّي البني آدم يضمن إن وقته وفلوسه ما بيروحوش هدر. قعدتوا سبعة وعشرين دقيقة. ده تمنتاشر دقيقة أكتر من أطول واحدة قعدت معاه قبل كده.”

​مشى خطوتين ناحية المكتب، وفتح علبة خشب متبgroupة واختار منها سيجار، بس ما ولعوش. فضل يلفه بين صوابعه وهو بيبص لـ “ليلا” بنظرات بتفحصها بدقة، كأنه بيقّيم بضاعة لسه شاريها من السوق.

​”واضح إنك لقتي طريقة تخليه يتكلم،” كمل كلامه. “عملتيها إزاي؟”

​”ليلا” ما اتهزتش من نظراته ولا من هيبته. فضلت واقفة في مكانها، وقالت بصوت ثابت: “ما اتعاملتش معاه على إنه حالة ميؤوس منها، ولا اتعاملتش معاه على إنه شيك بمبلغ وخلاص. أنا بس قولتله الحقيقة.”

​فيكتور ضحك ضحكة قصيرة مكتومة، خلت تجاعيد وشه تبان أقسى. “الحقيقة؟ الحقيقة دي سلعة رخيصة أوي يا ليلا. الناس اللي برا الأسوار دي بيبيعوا ويشتروا فيها عشان يبرروا فشلهم. ابني مش محتاج حقيقة، ابني محتاج سبب يخليه يعيش الأيام اللي باقية له، أو على الأقل سبب يخليه يموت وهو مش كاره الدنيا وكارهني.”

​حط السيجار على المكتب وسند بإيديه الاتنين على الخشب الماهوجني، وبص في عينيها علطول: “المحامين بتوعي جهزوا العقود. خمسين مليون دولار. النص هيتحول لحسابك الليلة دي أول ما تمضي، والنص التاني بعد ما كل حاجة تنتهي… والمقصود بإنها تنتهي، هو إن كالب يقابل وجه كريم. الشروط واضحة وما فيهاش فصال. هتعيشي هنا في القصر، هتكوني جنبه كل ما يحتاجك، وهتمثلي قدام الناس والإعلام إنك مراته وبتحبيه. مفيش مجال للغلط.”

​”ليلا” خدت نفس طويل، وحست بتقل البالطو المندي على كتافها. شافت في عين الراجل العجوز ده نفس النظرة اللي شافتها في عيون ناس كتير بره؛ نظرة الشخص اللي فاكر إن الفلوس تقدر تشتري تذكرة هروب من الوجع أو الموت.

​قربت من المكتب، وبصت للورق الأبيض المستف اللي مستني إمضتها.

​”أنا همضي،” قالتها وهي بتمد إيدها تاخد القلم. “بس فيه شرط واحد مش مكتوب في الورق ده، ولازم نتفق عليه من دلوقتي.”

​فيكتور رفع حواجبه، وملامحه اتقبضت فجأة. السكوت حل في الأوضة، وما بقاش مسموع غير صوت طقطقة الخشب في الدفاية.

​”شرط؟” فيكتور قالها بنبرة تحذير واضحة. “أنتِ مش في موقف يسمحلك تملي شروط يا ليلا. الخمسين مليون دولار دول يشتروا عيلتك وسلالتك كلها.”

​”يشتروا أي حاجة ليها تمن،” ردت عليه وهي بتبص له بكل برود. “بس الشرط بتاعي فلوسك ما تقدرش تدفع تمنه، لأنك لو وافقت عليه، هتنزل من برجك العالي ده وتتعامل كأب.. مش كصاحب شركة.”

 

فيكتور ضيق عينيه، والملامح اللي كانت دايماً هادية وثابتة اتشدت فجأة من الغضب. مرر إيده على شعره الأبيض، وقرب خطوة زيادة من المكتب كأنه بيحاول يخوفها بطوله وعرض كتافه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *