اهانو امي حكايات صافي هاني
بعد خمس سنين غربة برة البلد، ابني أحمد رجع فجأة من غير ما يقول، ولقاني واقفه على ركبي بمسح الخشب بتاع البيت اللي بنيته زمان بإيديا الاتنين. المريلة بتاعتي مبهدلة، وصوابعي متقشرة وبتترعش، وفي نفس الوقت كانت مراته شاهيناز وأمها مأنتخين على الكنبة الجلد الإيطالي، بيشربوا قهوة ولا كأنهم أصحاب المكان.
”أمي… أنتِ قاعدة على الأرض ليه؟” صوته اتهز، والذهول قلب بجدية تخوف. شاهيناز ضحكت ضحكة صفرا ومستهونة وقالت: “يا أحمد، هي اللي بتصر تفضل تتحرك، ده مفيد عشان صحتها”.
هو قرب أكتر، وضله غطى عليا، وعينيه اسودت وهو بيبص على الجردل والحتة، وشكلي وأنا مش قادرة حتى أفرد ضهري. “مفيد عشان صحتها؟” كرر كلامها بصوت أهدى بكتير، بس الصوت ده كان فيه خطورة ترعب. الأوضة فجأة هديت سكون مش طبيعي. حاولت أتمتم وأقول: “مفيش حاجة، حصل خير”، بس هو خلاص شاف الحقيقة كلها باينة في رعشة إيدي. ما زعقش، ولا رزع الباب، ولا حدف الشنطة؛ كل اللي عمله إنه حط حاجته بالراحة وبتعمد، وقال بكل برود: “اقفي يا أمي”. الصمت القاتل اللي كان مسيطر عليه ده كان أتقل من أي حرب هو لسه راجع منها.
”أمي…” أحمد همس، والكلمة وقفت في زوره كأنها حتة زجاج بتجرحه. “أنتِ… أنتِ بتعملي إيه؟”
الصالون نزل عليه حتة دين صمت يخنق. ما عرفتش أنطق. وجع وكسرة وكسوف غطوا عليا بالكامل، تمنيت الأرض تنشق وتبلعني. حاولت أداري إيدي اللي باظت من الكيماويات ورا ضهري؛ حركة خايبة مني عشان أداري ذلي في البيت اللي أنا أصلاً صاحبته وبانيـاه.
على الكنبة الفخمة، ميرفت -اللي هي حماته- متهزش ليها جفن. أخدت بؤ شاي على الهادي من الفنجان الصيني المذهب، ولا فارق معاها خالص ظهور الراجل اللي المفروض صاحب البيت اللي هي قاعدة فيه قانوناً.
أحمد ما بصش حتى لمراته شاهيناز اللي كانت بتلجلج وهي جاية عليه. عينيه كانت بتطلع شرار بارد ومرعب، ومثبتة عليا أنا بس. وبخفة غريبة على جزمته الميري الثقيلة، نزل على ركبه على الخشب المبلول، وسحب إيدي المجروحة من ورا ضهري بالراحة.
وهو بيمشي صوابعه الخشنة على عقل صوابعي المتشققة، كان كازز على سنانه لدرجة حسيت إنها هتتكسر. “إيه ده؟” سأل بـهمس يخوف، صوت فاضي من أي مشاعر، ومفيهوش غير ناشفية وظلم العساكر.
وقبل ما ألحق أكدب، ميرفت دخلت في الكلام من على الكنبة، وبنبرة كلها تعالٍ وتحكم قالت: “جرى إيه يا أحمد؟ مأفورتهاش من أول ما دخلت من الباب! هي اللي بتصر تفضل تشغل نفسها، النظافة دي بتخلي الكبار في السن ميحسوش إنهم مالهمش لازمة، ده كويس عشانها”.
”مالهمش لازمة”… الكلمة فضلت معلقة في الجو زي غاز سام مستني عود كبريت.
أحمد مال براسه شوية، ما سابش إيدي، بس نقل نظراته ببطء من صوابعي المتبهدلة ورفعها وعماها في ميرفت. أنا ربيت ابن حنين وقلبه أبيض، بس الراجل اللي كان راكع قدامي ده كانت عينيه شافت الموت ومبقتش تخاف منه. ودلوقتي، كان بيبص لحماته بنفس النظرة الباردة والمحسوبة اللي بيحجزها للأعداء في الحرب.




