طوق نجاه حكايات صافي هاني

لما كنت واقفة على جنب طريق سفر مقطوع ومعايا عيلين جعانين، وشنطتين متبهدلين، ومش معانا تمن الرجوع.. وقفت قدامي عربية مرسيدس سودة بتاعة راجل ميلياردير. اتوسلت له يديني أي شغلانة عشان أأكل عيالي، بس هو بص في عيني وعرض عليا حاجة عمري ما تخيلتها: “أنا هأمن لعيلتك بيت وحماية ومستقبل، بس بشرط.. تتجوزيني.”

​الشمس كانت خلاص بتغيب، بس الحر كان لسه خانق وتقيل زي الهم.

اسمي سارة، وفي الليلة دي بالذات مكنش حيلي غير 20 جنيه بالعدد.

تحت رجلي كان فيه شنطتين متبهدلين، وشنطة قماش مقطوعة، وعلبة غدا فاضية بنتي الصغيرة رايحة جاية تفتحها وتقفلها كأن فيه سندوتش هيطلع منها فجأة.

هنا سألتني بصوت واطي وهي بتمسح على بطنها: “ماما؟ هو الأتوبيس هييجي بجد؟”

قلبي اتعصر.

ضغطت على نفسي عشان أبتسم وقلت لها: “هيجي يا حبيبتي، خلاص مضلش كتير.”

ابني أحمد كان كبير كفاية إنه يفهم إن ده أمل كداب.

عنده تمان سنين، بس شايل هموم مفيش عيل في سنه المفروض يشيلها.

قال لي بهدوء: “ممكن نكمل مشي.. وأنا هشيل الشنطة التقيلة.”

كلامه وجعني أكتر من الجوع نفسه.

قلت له: “لا يا حبيبي، أنت عملت اللي عليك وزيادة.”

​قضينا معظم اليوم مستنيين على جنب طريق شبه مهجور برا مدخل المحافظة. العربيات كانت بتعدي بتجري من غير ما تهدّي، وتختفي وسط موجات السراب والتراب.

لحد ما فيه عربية أخيراً وقفت.

عربية سودة شيك جداً هدت ووقفت على جنب.

كان شكلها غريب ومش لايق خالص في المكان المقطوع ده.

من غير ما أفكر، وقفت قدام عيالي عشان أحميهم.

الزجاج الفاميه نزل.

وكان قاعد جوة راجل.

باين عليه في أوائل الأربعينات، لابس بدلة رمادي غالية جداً رغم الجو الخانق. ملامحه كانت هادية، رصينة، ومتقدرش تفهم منها حاجة.

سألني: “أنتم في مشكلة؟”

مسكت كتف هنا جامد وقلت: “مستنيين الأتوبيس.”

بص ع الطريق الفاضي وقال: “مفيش أتوبيسات عدت من الطريق ده بقالها أيام.”

كشرت وقلت له: “قصدك إيه؟”

“الشركة وقفت الخط ده. مفيش سواقين ولا أتوبيسات.”

لقطت الكلام وصدمتني الكلمة.. مكنتش قادرة أستوعب.

مفيش أتوبيس.

مفيش مواصلات.

مفيش فلوس.

مفيش أي خطة بديلة.

الخوف كبس على نفسي لدرجة مكنتش قادرة أتنفس.

همست: “مكنتش أعرف.”

الراجل نزل من العربية وقال: “أنا طارق.”

رديت بحذر: “سارة.. ودول عيالي، أحمد وهنا.”

ملامحه هديت شوية وهو بيبص لهم وسأل: “أنتم واقفين هنا من إمتى؟”

ترددت.. الكبرياء بيفضل عايش جوا الواحد أكتر مما أي حد يتخيل، حتى لما كل حاجة تانية تضيع.

في الآخر اعترفت: “من الصبح.”

جز على سنانه وسأل: “كنتم ناويين تروحوا فين؟”

“أي مكان ألاقي فيه شغل.”

“شغل إيه؟”

“تنضيف، طبخ، جليسة أطفال.. أي شغلانة حلال.”

هنا ساندت بكل جسمها عليا وهي هربانة من التعب.

وأحمد كان بيبص للراجل الغريب ده بتركيز كبير وسأله: “أنت راجل شرير؟”

طارق بربش بعينه، وبعدين ظهرت ابتسامة خفيفة على وشك وقال: “أحب أفتكر إني مش كده.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *