عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

​فيكتور هز راسه بسرعة وهو بيضغط على إيد ابنه: “هعمل كدا.. هعمل كدا دايماً.”

​قام فيكتور بعد كام دقيقة، وخرج من الأوضة وهو بيحاول يداري دموعه اللي كانت هتنزل. بص لـ “ليلا” اللي كانت واقفة ساندة ضهرها على الحيطة ومربعة إيديها. وقف قدامها وبص لها بنظرة فيها امتنان حقيقي، امتنان الراجل اللي لقى حد يشيل معاه الحمل اللي كان هيقطم ضهره.

​”شكراً يا ليلا،” قالها بصوت مخنوق، ومشى بسرعة في الطرقة الكبيرة ومبقاش مسموع غير صوت خطوات جزمه الجلد وهي تبعد.

​”ليلا” دخلت الأوضة تاني وقفت عند حرف السرير، وبصت لـ كالب اللي كان بيبص للشباك والنور عاكس على عينه.

​”عملت اللي عليك كأب، وأنت عملت اللي عليك كابن،” قالتها وهي بتقرب من الكرسي بتاعها.

​كالب لف وشها ليها وبص لها بنظرة مختلفة خالص عن نظرة الليلة اللي فاتت. نظرة هادية، وفيها قبول.

​”أنتِ غيرتي رأيي في حاجات كتير في كام ساعة بس يا مدام ويتيكر،” كالب قالها وبقّه اتمط بابتسامة حقيقية لأول مرة.

​”ليلا” قعدت وفكت شعرها تماماً وسابته مفرود على كتافها، وبصتله وثبتت عينيها في عينيه: “أنا لسه ما عملتش حاجة يا كالب.. إحنا لسه بنقول يا هادي، والرحلة بتاعتنا يادوب بدأت.”

 

كالب اتنفس بعمق، وبص لشعرها المفرود بنظرة هادية ورايقة، كأنه لأول مرة من شهور يلاحظ إن فيه حياه بجد بتتحرك جوه الأوضة دي بره ديرة المرض والدوا.

​قالها بصوت واطي وفيه رنة هدوء: “تعرفي يا ليلا.. السرير ده بقالي ست شهور بنام عليه وأنا حاسس إنه كفن مستني صاحبه. أول مرة الليلة دي أحس إن عيني بتقفل وأنا مش خايف ما قومش الصبح.”

​”ليلا” مالت بضهرها لورا وسندت راسها، وبصت للسقف الكلاسيكي العالي بتاع الأوضة وقالت: “الموت ملوش ميعاد يا كالب، ومحدش فينا ضامن هيعيش لحد بكره ولا لأ. الفرق بس إنك اخترت تستناه وأنت قاعد في صالة الوجع، بدل ما تعيش الكام يوم بتوعك وأنت بتضحك. أختي الصغيرة لما حست بالنهاية.. لمتنا كلنا حواليها وعملنا جمعة سمك كنا بنحبها، وماتت وهي بتضحك على نكتة بابا الله يرحمه قالها. الموت واحد.. بس الروح هي اللي بتختار تمشي إزاي.”

​كالب سكت ولف راسه للشباك. نور الشمس كان بدأ يطرد الضلمة تماماً، والمطر وقف ومبقاش فيه غير نقط خفيفة بتسيل على الإزاز زي الدموع.

​”أنا عايز أشوف الشمس،” كالب قالها فجأة وهو بيبص لها. “عايز أفتح الستاير التقيلة دي.. بقالهم شهور قافلينها عشان الإضاءة متتعبش عيني.”

​”ليلا” قامت علطول من غير ما تتردد. مشت بلقاطة وخفة لحد الشباك الكبير، ومسكت الحبل الحرير بتاع الستارة القطيفة التقيلة وزقتها على الجنبين. النور دخل الأوضة مرة واحدة، نور الصبح الدافي الصافي بعد العاصفة.

​كالب غمض عينيه ثانية من المفاجأة، وبعدين فتحهم بالراحة واستقبل الشمس على وشه. ملامحه اللي كانت دبلانة وصفرة بانت تحت النور، بس عينيه كانت بتلمع بروح جديدة تماماً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *