عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

في ثانية واحدة، “ليلا” كانت جنبه. ما ارتبكتش ولا صرخت زي ما الممرضات بيعملوا. حطت إيدها بالراحة على ضهره، وسندت راسه بالإيد التانية. مشت خطوات سريعة ومرتبة لغاية جهاز الأكسجين، جابت الماسك وقربت منه.
”خد نفس.. بالراحة.. ما تقاومش الهوا،” قالتها بنبرة هادية ومطمئنة جداً، النبرة اللي اتعلمتها من سنين الشغل في دار الرعاية وسط الحالات المتأخرة.
كالب حاول يزق إيدها في الأول، كبريائه كان رافض إنها تشوفه في لحظة ضعفه دي. بس جسمه خانُه، ورئته كانت محتاجة الهوا. استسلم وحط الماسك على وشه، وبدأ يسحب الأكسجين وصدره بيترفع وينزل بصعوبة.
”ليلا” فضلت واقفة جنبه، إيدها لسه على كتفه بتطبطب عليه بحركة منتظمة بتساعده يهدى. ما كانتش بتبص له بنظرة شَفقة، كانت بتبص له بنظرة دعم، كأنها بتقوله: “أنا معاك في المركب دي.”
بعد كام دقيقة، ضربات صدره هديت، والنفس رجع ينتظم تاني. شال الماسك بالراحة من على وشه، وكان عرقان وضهره ساند على الكرسي كأنه جرى ماراثون.
بص لها وهي بترجع خطوة لورا وبتعدل الجهاز بهدوء.
”أنتِ بتعرفي تعملي ده كويس،” قالها وهو بينهج وخفوت صوته باين.
”قولتلك.. أنا عشت وسط المرضى سنين،” ردت عليه وهي بتقعد تاني على الكرسي اللي جنبه. “عارفة إمتى الخوف بيبقى هو اللي بيكتم النفس مش المرض. أنت خايف يا كالب.. وخوفك مخلّيك قالب الأوضة دي سجن.”
كالب دار وشه الناحية التانية وبص للشباك اللي المطر لسه بيخبط عليه. السكوت رجع تاني، بس كان فيه حاجة اتكسرت بين الاتنين؛ حاجة اسمها الحواجز.
”أبويا فاكر إن الفلوس هتعوضني عن السنين اللي فاتوا،” كالب قالها وهو باصص لبعيد، وصوته فيه مرارة قديمة. “كان دايماً مشغول.. الشركات، الصفقات، السفر. وعمره ما افتكر إني ابنه غير لما الدكاترة قالوا له إن الوريث الوحيد بتاعك بيموت. جاي دلوقتي يشتريلي وقت؟ جاي يشتريلي زوجة؟”
”ليلا” بَصت لإيديه اللي كانت لسه مرعوشة شوية على دراع الكرسي.
”أبوك غلطان.. والفلوس مش هتعوض حاجة،” قالتها بصراحة. “بس أنت كمان غلطان لو فاكر إنك بتعاقبه هو.. أنت بتعاقب نفسك. الخمسين مليون دولار دول مش بتوعي يا كالب.. دول تمن حاجة تانية خالص.”
كالب لف راسه وبص لها باستغراب: “تمن إيه؟”
”تمن إني هبقى هنا.. الشخص الوحيد في القصر ده اللي مش هيخاف منك، ومش هيطبل لك، وهيقف في وشك لما تغلط، وهيساعدك تعيش الأيام اللي باقية لك بكرامة وبضحكة حقيقية.. مش بمرارة ويموت.”
مدت إيدها وحطتها فوق إيده المرعوشة، ولمستها لأول مرة: “أنا مش هسيبك تموت لوحدك يا كالب.. حتى لو فلوس أبوك خلصت.”
كالب بَص لإيدها اللي محطوطة فوق إيده. كانت دافية، دافية زيادة عن اللزوم بالنسبة لأوضة تلج زي دي. حاول يسحب إيده في الأول ببرود، بس صوابعه خذلته وفضلت مكانها. لأول مرة يحس إن فيه إيد بتلمسه مش عشان تقيس النبض، ولا عشان تزهق من قعدة العيا، إيد محطوطة لمجرد إنها تسند وخلاص.


