عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

مَدت إيدها فجأة، وبحركة سريعة خطفت الورقة من إيده، ومن غير ما تبص فيها، قطعتها نصين ورمتها على النجيل المبلول تحت رجليه.
ريتشارد وشه اِحمّر وعينيه برقت من الصدمة: “أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ عارفة دي ورقة إيه؟”
”دي ورقة ملهاش لازمة،” ليلا ردت بكل برود. “ارجع لمستر فيكتور وقوله إن ليلا مونرو مابتمشيش بالتقارير، ومابتاخدش أوامر من محامين. لو هو مش واثق في وجودي هنا، يرجع من لندن الليلة دي ويلغي العقد، وأنا همشي وأسيبلكوا القصر باللي فيه. بس طول ما أنا هنا.. كالب هينزل الجنينة، وهيشم الشمس، وهيطلب فطار بمربى، وهيعيش بني آدم مش جثة مستنية الإمضاء بتاعتك.”
لفت ضهرها للمحامي، ومشت لحد كالب، ومدت إيدها ليه بابتسامة صافية: “يلا يا كالب.. الشمس بدأت تبقى حامية بره، تعال ندخل المكتبة نقرا كتاب سوا، ونسيب مستر ريتشارد يلم الورق من على الأرض.”
كالب بص لحتت الورق المقطوعة، وبعدين بص لوش ريتشارد اللي كان واقف مذهول ومش ناطق بكلمة. ولأول مرة من سنين، كالب حس بنشوة انتصار حقيقية. مَد إيده، ومسك إيد ليلا وقام وقف بصلابة، ومشيوا هما الاتنين ناحية القصر ودخلوا وقفلوا الباب وراهم، وسابوا المحامي واقف لوحده في وسط الورد الأبيض.
جوه القصر، السكوت رجع تاني بس المرة دي كان سكوت رايق، شبه الهوا اللي بيجي بعد العاصفة. كالب كان ماشي جنب “ليلا” وهو ساند على دراعها، بس خطواته كانت أثبت بكتير من الأول، كأن الأرض بدأت تشيله بجد.
لما دخلوا المكتبة الكبيرة، كالب قعد على كرسي جلد مريح، وفضل يبص لـ “ليلا” وهي بتتحرك وسط الرفوف العالية اللي مليانة كتب قديمة مجلدة. كان بيبص لها وكأنه بيشوف بني آدم من كوكب تاني؛ واحدة لسه مقطعة ملحق عقد بخمسين مليون دولار ومتهزتش فيها شعرة.
”أنتِ قلبك ميت يا ليلا،” كالب قالها وصوته فيه نبرة إعجاب مش قادر يخبيها. “ريتشارد ده بيمضي على قرارات تفلس شركات ومبيرمش.. أنتِ خليتيه واقف بره شبه التلميذ اللي اِتطرد من الفصل.”
ليلا سحبت كتاب غلافه أزرق غامق ونفضت من عليه تراب خفيف، ولفت وشها ليه وهي بتبتسم: “الناس اللي زي ريتشارد وأبوك، قوتهم كلها جاية من الورق والخوف. طول ما أنت خايف من اللي مكتوب في الورق، هما هيفضلوا سايقينك. أنا من يوم ما أختي ماتت بين إيديا، عرفت إن الورق ده كله ملوش عازة قدام لحظة حياه حقيقية. المحامي بتاعك كان عايز يربط حركتك عشان يحسب عمولته.. وأنا مابحبش حد يحسبلي خطواتي.”
مشت وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطت الكتاب على ركبتها: “المهم سيبك منه.. قولي، أنت كنت بتقرا إيه هنا قبل ما تقرر تقفل على نفسك الأوضة؟”
كالب بص للكتب حواليه وتنهد: “كنت بحب التاريخ.. الروايات القديمة.. بس بقالي شهور ملمستش كتاب. القراية محتاجة دماغ رايقة، وأنا دماغي مكانش فيها غير صوت الأجهزة وصوت كحتي.”

