عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

صوت فيكتور جابها من ورا، صوته كان طالع بالعافية، بس كان فيه استسلام لأول مرة في حياته: “امضي يا ليلا.. امضي العقود.”
ليلا لفت وشها وبصت له. فيكتور كان بيبص للنار اللي في الدفاية، ووشه بان عليه سنه الحقيقي؛ راجل عجوز ومكسور ومستعد يعمل أي حاجة عشان ينقذ ابنه الوحيد، حتى لو الحاجة دي هتاخد من كبريائه.
رجعت للمكتب، مسكت القلم ومضت اسمها بخط واضح وسريع على تلات نسخ من العقود.
”العربيات جاهزة تنقل كل حاجتك من شقتك الليلة دي،” فيكتور قالها وهو بيلم الورق من غير ما يبص في وشها. “من بكره الصبح، أنتِ مدام ويتيكر.. وافتكري دايماً إنك مَضيتي على شرطك وزي ما أنا هلتزم بيه، أنتِ كمان هتلتزمي باللي مطلوب منك.”
”أنا دايماً بالتزم بكلمتي،” قالتها وهي بتعدل لياقة بالطوها. “عن إذنك.. هطلع لكالب.”
طلعت السلم الرخام الكبير تاني، والقصر كان ساكت تماماً كأنه مدافن. لما وصلت لِباب الأوضة، وقفت ثانية، خدت نفس طويل، وخبطت خبطتين خفاف ودخلت.
الأوضة كانت لسه ضلمة، وصوت المطر بره بقى أعلى. كالب كان لسه قاعد في مكانه، ما اتهزش، بس أول ما الباب اتفتح وعكست الإضاءة على الأرض، رفع عينه وبص لها.
”أنتِ لسه هنا؟” كالب قالها بنبرة سخرية، بس عينيه كانت بتلمع بفضول مش قادر يخبيه. “افتكرت أبويا زمانه كتبلك الشيك وطردك بره القصر.”
ليلا قفلت الباب وراها بالراحة، ومشت في الضلمة لحد ما وصلت للكرسي اللي قباله وقعدت.
بصتله وقالت: “أبوك مضى على العقود خلاص.. وأنا من الليلة دي بقيت مراتك.. ومفيش شيكات هتمشيني من هنا يا كالب.”
كالب سكت خالص، وبحلق فيها كأنه بيحاول يستوعب الكلمتين اللي لسه قايلاهم. الحزن والغضب اللي كان محاوط الأوضة من الصبح اتحول فجأة لذهول. بص على إيديها الفاضية، وبعدين بص للباب المقفول.
”أنتِ مجنونة؟” سألها وصوته طالع حاد ومكتوم من التعب. “أنتِ مش عارفة دخلتي نفسك في إيه؟ القصر ده ملوش قاع يا ليلا، والفلوس اللي فرحانة بيها دي هتدفعي تمنها من روحك كل يوم بتشوفيني فيه وأنا بتبخر قدامك.”
”ليلا” رجعت ضهرها لورا وسندت على الكرسي بكل برود، وقالتله: “أنا شوفت الروح وهي بتطلع أكتر من المرات اللي أنت شوفت فيها شركات أبوك بتكسب في البورصة. الموت مبيخوفنيش.. اللي بيخوفني بجد هو البني آدم اللي بيموت وهو لسه عايش، زيك كده.”
كالب اتعدل في قعدته بعصبية، وحط إيده على صدره كأنه جاله نهجان فجأة، بس عينيه كانت بتطلع شرار: “أنتِ جاية تديني دروس في الحياة؟ واحدة بايعة نفسها بخمسين مليون دولار جاية تقولي مين عايش ومين ميت؟”
”أنا مبعتش نفسي،” ردت عليه وعينها في عينه. “أنا قَبضت تمن خدمتي. أبوك اشترى وقتي، واشترى وجودي جنبك، بس مشتراش سكوتي ولا اشترى إني أطبطب عليك وأقولك يا حرام وأنت بتدلع بيأسك. لو عايز تموت.. موت بكرامتك، مش وأنت قالب الأوضة مدافن ومقعد الأمن والممرضات يترعشوا من نظرة عينك.”



