عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

فيكتور لف وبص لـ “ليلا” ونظراته كانت مليانة رعب وعجز، وقال بصوت واطي ومرعوش: “الشركة اللي في لندن مكنتش صفقة يا كالب.. أنا كنت مسافر هناك عشان أعمل تحاليل وفحوصات.. الدكاترة هناك بلغوني الليلة دي إن التقرير طلع.. وأنا اللي أيامي معدودة في الدنيا يا ابني، مش أنت.”
الأوضة كلها سكتت تماماً، والصدمة نزلت على كالب وزلزلته، وبص لأبوه الملياردير اللي فلوسه كلها وقفت عاجزة قدام الحقيقة دي. كالب لف وشه تلقائي وبص لـ “ليلا”، وكأنها هي السند الوحيد اللي يقدر يمسك العيلة دي من الانهيار.
الأوضة اتكهربت، وكل حاجة اتسمرت في مكانها. كالب ساب إيد أبوه وورجع خطوة لورا، وعينيه بتتحرك بين فيكتور وبين طاقم الدكاترة اللي واقفين منكسين رؤوسهم في الأرض. الفلوس اللي كانت من شوية بتتحكم في مصير البشر، بقت الليلة دي ملهاش أي صوت.
فيكتور قعد على أول كرسي قابله، وحط راسه بين إيديه، ولأول مرة كالب يشوف أبوه الراجل الحديدي بالضعف ده.
”سرطان في الرئة يا كالب.. في مرحلة متأخرة،” فيكتور قالها وصوته مخنوق. “كنت فاكر إن الوجع اللي في صدري ده من حزني عليك وخوفي من إني أخسرك.. مكنتش أعرف إن المرض بياكل فيا أنا. أنا جيت وجبت معايا أكبر دكاترة من لندن.. بس هما قالوا الكلمتين اللي مكنتش عايز أسمعهم.. مفيش فايدة.”
كالب حس إن الدنيا بتلف بيه، والنفس اللي كان لسه مظبوط بدأ يضيق تاني، بس المرة دي من الصدمة. لفت وجات عينه في عين “ليلا”.
ليلا مكانتش مذهولة ولا اتخضت؛ الموت بالنسبة لها زائر قديم وعارفة سكتُه كويس. مشت بخطوات ثابتة وراحت وقفت في وسط الأوضة، وبصت لكبير الدكاترة البريطانيين وقالتله بالإنجليزي بصوت حازم: “أنا مدام ويتيكر. خدوا الأجهزة دي واطلعوا على الأجنحة اللي في الدور الأرضي ارتاحوا، ومحدش يتدخل غير لو طلبناكم.. سيبونا لوحدنا.”
الدكتور بص لفيكتور، فيكتور هز راسه بالموافقة من غير ما يرفع عينه. في دقائق، الصالة الكبيرة فضيت تماماً ومبقاش مسموع غير صوت دقات الساعة وصوت أنفاسهم.
ليلا قربت من فيكتور، ونزلت على ركبتها قدامه وحطت إيدها على ركبته، وبصت له وقالت بصوت هادي وناعم: “مستر فيكتور.. افتكر شرطنا؟ أنت جيت هنا كأب.. والآباء مبيستسلموش قدام عيالهم. أنت عشت طول عمرك بتحارب في السوق، وجاي دلوقتي تسيب السلاح؟”
فيكتور رفع راسه وبص لها وعينيه مغرقة دموع: “أنا مش خايف على نفسي يا ليلا.. أنا خايف على كالب. أنا عملت الصفقة دي وجبتك عشان تسنديه لما أمشي.. مكنتش أعرف إننا هنمشي إحنا الاتنين.”
كالب قرب وفجأة قعد على الأرض الناحية التانية وجنب أبوه، ومسك إيده الكبيرة اللي كانت دايماً بتمضي الشيكات، وضغط عليها بقوة: “إحنا مش هنمشي يا بابا.. أنا كنت ميت وأنت صحيتني لما جبتلي ليلا، وأنا مش هسيبك تموت دلوقتي. العلاج اللي أنا رفضته.. إحنا هناخده سوا. واليأس اللي كنت عايش فيه.. مش هسيبك تقع فيه.”


