عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

​الجو كان بدأ يسقع، والورد الأبيض حواليها منور تحت نور كشافات القصر. قعدت على نفس الكرسي الخشب، وبصت للسما وقالت بصوت واطي: “يا رب.. أنا عملت اللي عليا وأمنت أهلي، والناس دول ملهمش ذنب يعيشوا في العتمة دي.. قوينا عليهم.”

​عدت ليلتهم هادية، ولأول مرة من سنين، القصر مكنش فيه صوت أجهزة طبية بتصفر، ولا صوت زعاق وخناق. الكل نام وهو حاسس إن بكره فيه حاجة تستاهل يعيشوا عشانها.

​الصبح طلع، والشمس كانت دافية وصافية. ليلا نزلت بدري، وكانت لابسة فستانها الأبيض المحتشم الطويل، بأكمامه الكاملة وقصته المقفولة تماماً عند الرقبة. أشرفت بنفسها على الشغالين وهم بيطلعوا ترابيزة فطار كبيرة وسط الجنينة، وحواليها كراسي مريحة لفيكتور وكالب.

​على الساعة تسعة، الباب الكبير اتفتح، ونزل كالب وهو ساند أبوه. فيكتور كان لابس جلابية مريحة ووشه رايق، وكالب بيبتسم وهو شايف الترتيبات.

​”صباح الخير يا جماعة،” ليلا قالتها وهي بتقدم لهم الكراسي. “النهارده الفطار مميز.. مفيش دكاترة، مفيش تقارير، ومفيش بورصة. فيه بس شمس وورد وأمل.”

​فيكتور قعد وأخد نفس طويل من ريحة الجنينة، وبص لليلا وقال بنبرة فيها رضا حقيقي: “أنا بقالي تلاتين سنة ساكن في البيوت دي يا بنتي.. أول مرة النهارده أحس إني شايف الورد اللي أنا شاريه بفلوسي.”

​كالب قعد جنب أبوه وبدأ يصب له العصير: “عشان كنت بتشتريه وتنسى تشمه يا بابا.. ليلا هنا عشان تفكرنا بالحاجات اللي ببلاش بس بتسوى الدنيا.”

​وهما قاعدين بيفطروا وبيضحكوا، من بعيد عند البوابة، ظهر الدكتور البريطاني الكبير وهو لابس لبسه المدني ومعاه نوتة صغيرة، وقرب منهم بخطوات هادية وبص لفيكتور وكالب بابتسامة اِستغراب: “مستر ويتيكر.. أنا جيت عشان الفحص الصباحي.. بس شكلي كده هغير الخطة العلاجية تماماً بناءً على الجو اللي أنا شايفه ده.”

 

الدكتور قرب منهم، وحط النوتة بتاعته على طرف التربيزة، وبص لفيكتور وبعدين لكالب وقال بابتسامة وهزّة راس: “أنا بقالي تلاتين سنة في المهنة دي، شوفت حالات كتير، بس عمري ما شوفت مريض تليف رئة حالته بتتحسن بالسرعة دي ومن غير جرعات كيماوية مكثفة. الأكسجين في دمك يا كالب بقى في مستويات ممتازة مقارنة بالشهر اللي فات.”

​التفت لفيكتور وكمل كلامه: “ومستر فيكتور.. القعدة في الشمس دي، والهوا النضيف، والبعد عن ضغط الشغل.. دي نص الخطة العلاجية اللي لندن كلها مكنتش هتعرف تكتبهالك في روشتة. طاقة الجسم المناعية بتتغير تماماً لما الروح بترتاح.”

​فيكتور بص لـ ليلا اللي كانت قاعدة بفستانها الأبيض المحتشم، بكمامه الطويلة وقصته المقفولة، وبتشرب قهوتها بهدوء، وقال للدكتور: “البركة في مدام ويتيكر يا دكتور.. دي الدكتورة الحقيقية اللي دخلت البيت ده وطردت منه العتمة.”

​ليلا حطت الفنجان وابتسمت بثقة: “أنا معملتش حاجة يا دكتور، أنا بس فكرتهم إن الوجع مش معناه إننا نوقف حياه. هما الاتنين رجالة وبأمر ربنا هيعدوا الأزمة دي سوا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *