عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

”أنتِ كلامك كتير أوي يا ليلا،” قالها وهو بيبص الناحية التانية، بس نبرة صوته ما كانش فيها القسوة بتاعة الأول؛ كانت طالعة تعبانة ومستسلمة.
”عشان محدش اتكلم معاك صح من زمان،” ردت عليه وهي بتشيل إيدها بالراحة وبتقوم تقف. مشت بخطوات هادية ناحية السرير الكبير اللي مفرش بستان أبيض ومترتب بالمسطرة، نفضت الغطا بخفة ولفت وشها ليه: “يلا، كفاية قعدة على الكرسي ده.. السرير أريح لك.”
كالب جز على سنانه: “أنا مش هتحرك من مكاني. ومبحبش حد يأمرني.”
”وأنا مش حد، أنا بقيت مدام ويتيكر،” قالتها بابتسامة خفيفة وهي بتقرب منه وتمد إيديها الاتنين عشان تساعده يقوم. “وبعدين أنا مش بآمرك، أنا بقولك إن جسمك محتاج يرتاح عشان الكحة دي ما ترجعلكش تاني. يلا يا كالب.. من غير عناد أطفال.”
بص لإيديها الممدودة، وبعدين بص في عينيها. لقى فيها صرامة عجيبة، صرامة مخلية شكلها أكبر من سنها، وفي نفس الوقت فيها حنان يخلي الواحد يضعف. أخد نفس طويل، وسند بإيديه على دراعات الكرسي وقام وهو بيتكئ على إيدها. جسمه كان تقيل وتعبان، بس هي كانت ساندة بصلابة كأنها متعودة تشيل هموم أتقل من جسمه بكتير.
مشى خطوتين بالعافية لحد ما قعد على السرير، ورفع رجليه بالراحة وهي غطته لحد صدره.
لما راسه ريحت على المخدة، حس بتقل عينيه. المجهود اللي عمله في الكلام والخناق مع أبوها ومعاها، مع نوبة الكحة، هلكوا باقي طاقته.
”ليلا” مشت لغاية مفتاح النور، وبصت له: “هقفل النور خالص؟”
”سيبيه كدا.. الضلمة بتخليني أفكر زيادة،” قالها وصوته بدأ يروح في النوم.
”ماشي.. هسيب الأباجورة الصغيرة دي منورة،” طفت النور الكبير وسابت إضاءة صفرا هادية في ركن الأوضة، ورجعت قعدت على الكرسي اللي جنب سريره.
كالب قفل عينيه، وقبل ما يروح في النوم تماماً، سألها بصوت واطي كأنه بيهمس: “ليلا.. أنتِ بجد مش طمعانة في الخمسين مليون؟”
ليلا بصت لوشه في الإضاءة الخافتة، وعدلت الغطا عليه وقالت بصوت دافي: “أنا محتاجة الفلوس يا كالب، وقولتلك مش هكدب. بس الفلوس بتشتري لقمة، بتشتري دوا، بتسد دين.. بس عمرها ما تخليني أقعد في أوضة واحدة مع بني آدم مِستسلم للموت لو مكنتش عايزة أساعده بجد. نام.. وبكره الصبح هنبدأ شروطنا.”
ما ردش عليها، نفسه كان بدأ ينتظم وراحت ملامح الوش المشدودة والغضبانة، وبان وشه الحقيقي؛ شاب في عز شبابه بس المرض هادد حيله.
فضلت قاعدة جنبه طول الليل، ما نامتش. كانت بتبص على جهاز الأكسجين كل شوية، وتسمع صوت المطر وهو بيهدى بره تدريجياً لحد ما الفجر بدأ يشقشق ونوره الأزرق الخفيف دخل من ورا الستاير.
الساعة كانت ستة الصبح لما الباب بتاع الأوضة اتفتح بهدوء شديد.
ليلا لفت وشها، لقت فيكتور واقف على الباب. كان لابس بدلة جديدة كأنه نايم بيها، وشعره متسرح، بس عينه كانت دبلانة وبتبص على السرير بلهفة وخوف.



