عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

كالب سكت ولف راسه للشباك. نور الشمس كان بدأ يطرد الضلمة تماماً، والمطر وقف ومبقاش فيه غير نقط خفيفة بتسيل على الإزاز زي الدموع.
”أنا عايز أشوف الشمس،” كالب قالها فجأة وهو بيبص لها. “عايز أفتح الستاير التقيلة دي.. بقالهم شهور قافلينها عشان الإضاءة متتعبش عيني.”
”ليلا” قامت علطول من غير ما تتردد. مشت بلقاطة وخفة لحد الشباك الكبير، ومسكت الحبل الحرير بتاع الستارة القطيفة التقيلة وزقتها على الجنبين. النور دخل الأوضة مرة واحدة، نور الصبح الدافي الصافي بعد العاصفة.
كالب غمض عينيه ثانية من المفاجأة، وبعدين فتحهم بالراحة واستقبل الشمس على وشه. ملامحه اللي كانت دبلانة وصفرة بانت تحت النور، بس عينيه كانت بتلمع بروح جديدة تماماً.
”شكل الجنينة بره حلو أوي،” قالها وهو بيحاول يتعدل أكتر. “أبويا زرع شجر ورد أبيض هنا عشان أمي الله يرحمها كانت بتحبه.. أنا نسيت شكلهم من كتر القعدة في العتمة.”
لفت “ليلا” وبصتله وهي ساندة على حرف الشباك، والشمس عاكسة وراها: “الجنينة لسه موجودة، والورد لسه بيطلع.. والفلوس بتاعة مستر فيكتور معرفتش تمنع المطر ولا عرفت تمنع الشمس إنها تطلع الصبح. كل حاجة بتمشي بأمر ربنا يا كالب.. وإحنا كمان هنمشي مع الأيام دي.”
مشت ناحية الباب، وفتحت حتة صغيرة وندهت على الشغالة اللي كانت واقفة بره بترقب.
”صباح الخير.. اعمليلنا فطار خفيف هنا في الأوضة،” ليلا قالتلها. “عايزين توست ومربى، وعصير برتقان فريش.. وبلاش الأكل المسلوق بتاع المستشفيات ده الليلة دي.”
البنت الشغالة بلمت وبصت لليلا بذهول، وبعدين بصت لكالب اللي كان قاعد وساند ضهره ومبتسم، وهزت راسها بسرعة وجريت تنفذ الأمر وهي مش مصدقة إن “الميت” اللي جوه الأوضة بقى يطلب فطار.
قفلت ليلا الباب ورجعت، وقفت قدام سريره ومربّعة إيديها: “من بكره.. لو صحتك سمحت والنفس كان مظبوط، هننزل نفطر تحت في الجنينة وسط الورد الأبيض. مفيش قعدة في الأوضة دي تاني إلا للنوم.”
كالب هز راسه، ولأول مرة النبرة الحادة والناشفة تختفي تماماً من صوته: “ماشي يا مدام ويتيكر.. أنا معاكِ.. وريني بقى الخمسين مليون دولار دول هيعملوا معانا إيه تاني.”
الفطور جه، والبنت دخلت الصينية وهي بتبص للأرض ومكسوفة، كأنها خايفة تكون في حلم. “ليلا” خدت منها الصينية وشكرتها، وحطتها على التربيزة اللي جنب السرير.
”يلا يا بطل،” ليلا قالتها وهي بتميل عليه وبتعدل المخدات ورا ضهره عشان يقعد مرتاح. “عايزاك تاكل كويس. التوست ده معمول ب زبدة ومربى فراولة، مش أكل عيانين مسلوق من اللي بيجيب سداد النفس.”
كالب مد إيده بالراحة وأخد حتة توست، وبدأ ياكل ببطء. كان بقاله كتير ملوش نفس للأكل، بس اللمة والكلام، والنور اللي مالي الأوضة، خلوا لقمته ليها طعم تاني.
”تعرفي يا ليلا،” كالب قالها وهو بيمسح بقه بمنديل. “أنا كنت فاكر إن أبويا جابك هنا عشان يريح ضميره بس. عشان يقول لنفسه إنه عمل كل حاجة عشان ابنه قبل ما يموت. بس أنا دلوقتي حاسس إنه عمل أحسن حاجة في حياته من غير ما يقصد.”


