عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

مرت الأيام ورا الأيام، والقصر الكبير اللي كان عامل زي المدافن بدأ يدب فيه الروح من تاني. “ليلا” كانت منشفة دماغها في كل حاجة تخص “كالب”؛ مفيش قعدة في الضلمة، الفطار في الجنينة بقا طقس يومي، والأكل المسلوق اِستبدلته بأكل يفتح النفس بس خفيف ومناسب لصحته.
والأهم من كل ده، إن نوبات الكحة وخنقة النفس بدأت تقل. الدكاترة اللي كانوا بيجوا يعملوا الفحص الأسبوعي من غير ما يتدخلوا في حياته، بقوا يدخلوا الأوضة ويخرجوا وهما بيفركوا في إيديهم ومش مصدقين. التقرير الطبي الأخير قال إن تليف الرئة واقف مبيتطورش، وإن نسبة الأكسجين في دمه بقت أحسن بكتير من شهور فاتت.
في ليلة من الليالي، بعد حوالي أسبوعين من سفر فيكتور، كان الجو هادي ورايق بره. كالب كان قاعد في الصالون الصغير اللي جوه أوضته، لابس قميص كحلي مريح، وبص لـ “ليلا” اللي كانت قاعدة على السجادة قدام الدفاية، ولامة رجليها وبتكتب في نوتة صغيرة تخص مواعيد الدوا.
”ليلا،” كالب نده عليها بصوت هادي وفيه رنة تفكير.
رفعت رأسها وبصتله: “نعم يا كالب؟ في حاجة بتوجعك؟”
”لأ، أنا زي الفل،” ابتسم عشان يطمنها، وبعدين سكت ثانية وكمل: “أنا كنت بفكر في حاجة.. إحنا بقالنا أسبوعين متجوزين على الورق، وأنا لسه معرفش عنك حاجة بره الملف اللي أبويا قراه تحت. أنتِ مضيتي على الخمسين مليون، والنص الأولاني دخل حسابك.. هتعملي بيه إيه؟”
ليلا سابت القلم من إيدها، وبصت للنار اللي شغال في الدفاية، ومالت برأسها لورا: “أول حاجة عملتها إمبارح، كلمت البنك وسددت كل الملاليم اللي كانت متبقية من ديون مستشفى أمي الله يرحمها. الشقة القديمة اللي في كوينز اشتريتها بالكامل عشان صاحب البيت ميهددش أختي الكبيرة بطرد تاني.. والباقي؟ شيلته للزمن. الفلوس دي أمنت عيلتي يا كالب، وده كل اللي كنت عايزاه من الدنيا.”
كالب فضّل باصص لها بتقدير كبير، وسألها: “ومفكرتيش في نفسك؟ لبس جديد، عربية، سفرية؟”
ضحكت ضحكة خفيفة ورقيقة: “أنا لسه بلبس بالطو وكالة البلح بتاعي وبحبّه، والفلوس مابتغيرش البني آدم من جوه يا كالب، بتغير بس الظروف اللي حواليه. أنا نفسي الحقيقية موجودة هنا، في الأوضة دي، وأنا شايفاك بترجع تعيش تاني. دي المكافأة التانية اللي مكنتش مكتوبة في العقد.”
كالب حس بقلبه بيتحرك بطريقة غريبة، مشاعر مكنش عامل حسابها بدأت تظهر. قرب بالراحة وقعد على الأرض جنبها قدام الدفاية، ولأول مرة المسافة بينهم تبقا قريبة كدا من غير تعب ولا مرض.
”أنتِ أنقذتي حياتي يا ليلا،” قالها وهو بيبص في عينيها علطول. “أنا مكنتش بموت من المرض.. أنا كنت بموت من الوحدة ومن كتر ما كل الناس شايفاني صفقة أو حمل تقيل. أنتِ الوحيدة اللي شوفتيني أنا.”
ليلا بصت لملامحه القريبة، ولقت إن الوش المشدود والغضبان اِختفى تماماً، وبان مكانه شاب وسيم وعينيه مليانة حياة وشغف.


