عرض تتجوز ابنه حكايات صافي هاني

​كالب بص لحتت الورق المقطوعة، وبعدين بص لوش ريتشارد اللي كان واقف مذهول ومش ناطق بكلمة. ولأول مرة من سنين، كالب حس بنشوة انتصار حقيقية. مَد إيده، ومسك إيد ليلا وقام وقف بصلابة، ومشيوا هما الاتنين ناحية القصر ودخلوا وقفلوا الباب وراهم، وسابوا المحامي واقف لوحده في وسط الورد الأبيض.

جوه القصر، السكوت رجع تاني بس المرة دي كان سكوت رايق، شبه الهوا اللي بيجي بعد العاصفة. كالب كان ماشي جنب “ليلا” وهو ساند على دراعها، بس خطواته كانت أثبت بكتير من الأول، كأن الأرض بدأت تشيله بجد.

​لما دخلوا المكتبة الكبيرة، كالب قعد على كرسي جلد مريح، وفضل يبص لـ “ليلا” وهي بتتحرك وسط الرفوف العالية اللي مليانة كتب قديمة مجلدة. كان بيبص لها وكأنه بيشوف بني آدم من كوكب تاني؛ واحدة لسه مقطعة ملحق عقد بخمسين مليون دولار ومتهزتش فيها شعرة.

​”أنتِ قلبك ميت يا ليلا،” كالب قالها وصوته فيه نبرة إعجاب مش قادر يخبيها. “ريتشارد ده بيمضي على قرارات تفلس شركات ومبيرمش.. أنتِ خليتيه واقف بره شبه التلميذ اللي اِتطرد من الفصل.”

​ليلا سحبت كتاب غلافه أزرق غامق ونفضت من عليه تراب خفيف، ولفت وشها ليه وهي بتبتسم: “الناس اللي زي ريتشارد وأبوك، قوتهم كلها جاية من الورق والخوف. طول ما أنت خايف من اللي مكتوب في الورق، هما هيفضلوا سايقينك. أنا من يوم ما أختي ماتت بين إيديا، عرفت إن الورق ده كله ملوش عازة قدام لحظة حياه حقيقية. المحامي بتاعك كان عايز يربط حركتك عشان يحسب عمولته.. وأنا مابحبش حد يحسبلي خطواتي.”

​مشت وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطت الكتاب على ركبتها: “المهم سيبك منه.. قولي، أنت كنت بتقرا إيه هنا قبل ما تقرر تقفل على نفسك الأوضة؟”

​كالب بص للكتب حواليه وتنهد: “كنت بحب التاريخ.. الروايات القديمة.. بس بقالي شهور ملمستش كتاب. القراية محتاجة دماغ رايقة، وأنا دماغي مكانش فيها غير صوت الأجهزة وصوت كحتي.”

​”طب إيه رأيك نقرا سوا؟” فتحت الكتاب وبصت له: “أنا هقرا وأنت تسمع.. ولو زهقت من صوتي، قولي عشان أسكت.”

​بدأت تقرا بصوت هادي وراسي، صوتها كان بيملا فراغ الأوضة الكبيرة ويطرد منها أي طاقة حزن قديمة. كالب كان ساند راسه لورا ومغمض عينيه، بس المرة دي مكانش بيهرب من الدنيا، كان بيسمع بجد. أسلوبها في الكلام وطريقتها خلت الكلمات تعيش جوه خياله.

​فاتت ساعة والتانية، والنور الأصفر بتاع الشمس كان مالي المكتبة. كالب بدأ يحس إن صدره مرتاح، والنفس داخل وخارج من غير الكتمة اللي كانت بتصحيه من النوم مخنوق.

​فجأة، تليفون المكتبة الأرضي اللي محطوط على المكتب الماهوجني رن بصوت عالي قطع هدوء المكان.

​ليلا وقفت قراية، وبصت للتليفون. كالب فتح عينيه وملامحه اتشدت تاني: “أكيد ريتشارد اتصل بأبويا في لندن، وده أبويا بيكلمنا من المطار.”

​ليلا قفلت الكتاب بالراحة وقامت: “خليك مكانك.. أنا هرد.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *