حماتها ضربتها بالقلم حكايات صافي هاني

القلم نزل على وشي جامد لدرجة إن الشوكة الفضة اللي جنب طبقي نطت ورنت في طقم الصيني.

​لمدة تلات ثواني، مفيش نفس طلع من حد.

​بعدها حماتي ابتسمت لي، والروج بتاعها مظبوط ومتمسحش منه الهوا، وقالت لي: “دلوقتي بقى، قولي للناس كلها إني حما طيبة وأم مفيش مني.”

​فضلت حاطة إيدي على خدي.

​معيطتش.

​مصرختش.

​بصيت لجوزي.

​وش حازم كان ساكت بطريقة عمري ما شوفتها قبل كده. مش غضبان، مش مصدوم، ولا حتى زعلان.

​ساكت وخلاص.

​زي واحد واقف بيشوف آخر مسمار بيدق في نعش.

​كانت حماتي، الحاجة ميرفت، قاعدة على رأس التربيزة الطويلة ببلوزتها الحرير البيج، وعقد اللولي بينور في رقبتها، وشعرها متثبت ومظبوط ومتحركش منه شعرة حتى لما العيلة كلها اتهزت. ريحة بيتها ميكس بين ملمع الخشب، واللحمة الضاني المشوية، والفلوس القديمة.

​حوالينا، تمنتاشر بني آدم مبرقين.

​أخو حازم، طارق، بص في كباية العصير بتاعته.

​ريهام مرات طارق حست فجأة إن طبق السلطة اللي قدامها مفيش أعجب منه في الدنيا وفضلت مركزة معاه.

​العمة ليندا حطت إيدها على بوقها من الصدمة.

​حمايا، الحاج رأفت، قاعد في آخر التربيزة ومربع إيديه، وعينه في الأرض، وكأن اللي بيحصل ده مجرد شوية مطر. زي العواصف اللي بتعدي لو طنشت صوت الإزاز وهو بيتكسر.

​ميرفت ساندت ضهرها لورا ورفعت راسها لفوق لفوق.

​وقالت: “ها؟”

​خدي كان بيولع نار.

​دبلة جوازي حسيت بيها ساقعة تلج في صباعي.

​وحازم قاعد مكانه.

​ثانية.

​تانية.

​تالتة.

​بعدها زق الكرسي لورا.

​صوت حك الخشب في الرخام كان شبه صوت السكينة.

​قال: “إحنا ماشيين.”

​ميرفت بربشت بعينها.

​حازم بص لي علطول وقال: “الليلة.”

​بعدها التفت لأمه.

​وقال بصوت واطي لدرجة إن الكل مال برأسه عشان يسمعه: “وأنتي.. تقدري تعيشي مع النتيجة.”

​ميرفت ضحكت ضحكة خطفتها مرة واحدة.

​ضحكة ناشفة ومصطنعة.

​”أفندم؟”

​حازم مبتسمش.

​وقال لها: “أنتي عايزة حد يمدحك ويشكر فيكي بعد ما ضربتي مراتي؟ عايزة ست في البيت ده تطيقك وتشكرك وتداري عليكي وتتظاهر إنك مش قاسية؟”

​شاور على الصورة المتبروزة على الحيطة وراها.

​صورة العيلة المتصورة في استوديو من خمس سنين.

​ميرفت في النص.

​رأفت جنبها.

​طارق، وريهام، وحازم، وأنا واقفين وراهم زي الديكور.

​حازم قال لها: “يبدو إنك هتعيشي مع ريهام بقى.”

​الشوكة أفلتت من إيد ريهام ووقعت.

​راس ميرفت لفت بسرعة ناحية مرات ابنها الصغير.

​وش ريهام خطف وبقى أصفر زي الليمونة.

​ساعتها أنا شوفتها.

​لمحة.

​مش مفاجأة.. لأ، خوف.

​وده كان أول شرخ صغير في صالة السفرة المثالية بتاعة عيلة ميرفت.

​أول شرخ في البيت اللي بلع خمس سنين من جوازي.

​أول شرخ في برستيج ميرفت.

​نزلت إيدي من على خدي.

​الجلد كان بينبض وبيوجعني، بس دماغي كانت صافية ورايقة.

​لأن الحقيقة إن القلم ده مأعلنش الحرب النهاردة على العشا.

​الموضوع بدأ من يوم ما اتجوزت حازم وحماتي باستني في الفرح وهمست في ودني: ” ماتاخديش على الوضع أوي.”

​في الأول، افتكرت قصدها الفلوس والعيشة المرتاحة.

​عيلة حازم معاهم فلوس من بتاعة زمان، الفلوس اللي بجد. مش الغنى الجديد اللي فيه منظرة وفشخرة، ولا الشاليهات اللي بتصرخ غنى. فلوسهم عايشة في هدوء ورا بوابات حديد، في أراضي وعقارات، وفي تبرعات للمستشفيات، وفي نوع النوادي اللي الناس بتروحها عشان “تصيف” وكأنها فرض.

​بس حازم كان مختلف.

​وعشان كده أنا اتجوزته.

​كان عنده ذوق وأصل الناس الشبعانة بس من غير سم الفلوس والتعالي. يفتح الباب للناس من غير منظرة، يراضي الويتر ويديله بقشيش محترم من غير ما يخلي حد ياخد باله، ويسمع للناس البسيطة وهي بتتكلم، ولما يضحك يضحك من قلب وبوشه كله.

​كان مهندس معماري.

​مش لأنه محتاج يشتغل عشان لقمة العيش.

​لأنه بيحب يبني ويعمر الأماكن الفاضية ويخليها تتدب فيها الروح.

​أما أنا، فكنت أخصائية اجتماعية في مدرسة حكومي، عليا أقساط وقروض، وراكبة عربية فيرنا قديمة، ومعايا أب علمني إزاي أغير فردة الكاوتش بنفسي قبل ما يعلمني إزاي أركن العربية موازية للرصيف.

​ميرفت كانت بتكره كل ده.

​كرهت شغلي وشايفاه عادي وبيئة.

​كرهت طريقتي وكلامي عشان قولت مرة “يا جاز” وإحنا بنفطر.

​كرهت أهلي عشان جابوا في جهازي لحاف عمولة ومتفصل بالإيد كهدية جواز بدل ما يكتبوا شيك بمبلغ كبير.

​لكن أكتر حاجة كرهتها، إن حازم كان بيبان مرتاح وباله رايق وهو معايا.

​وميرفت مكنتش بتحب الراوقان ولا السلام

ميرفت مكنتش بتحب الروقان ولا السلام، كانت بتعشق السيطرة، وبتموت في إن الكل يفضل باصص لإيدها ومستني الرضا.

​بصيت لطارق وريهام وهما قاعدين كشين في مكانهم، وافتكرت كام مرة ريهام جاتلي بتعيط في السر عشان ميرفت هزأتها على طريقة لبسها، أو عشان اتأخرت عشر دقائق عن ميعاد الغدا الصارم بتاع يوم الجمعة. ريهام اختارت تسكت وتطأطأ راسها عشان “المركب تمشي”، وعشان طارق أخو حازم كان من نوعية الرجالة اللي بتشوف إن أمه دايما صح، حتى لو دايت على رقبة مراته.

​لكن حازم؟ حازم كان طينة تانية خالص.

​”أنت اتجننت يا حازم؟” ميرفت زعقت، وصوتها لأول مرة يطلع فيه نبرة حدة هزت برستيجها، “أنت بتجر شكلي في بيتي وعلى طربيزتي وعشان مين؟ عشانها؟”

​حازم متحركش من مكانه، وبمنتهى الهدوء اللي في الدنيا، طلع تليفونه من جيبه وحطه على التربيزة. الصوت اللي طلع بعد كده خلى الكل يتسمر في مكانه.

​كان صوت ميرفت، بس مش النسخة الكيوت بتاعت دلوقتي. كان صوتها من عشر دقائق فاتوا في المطبخ وهي بتقولي: “أنتي حتة جربوعة دخلت العيلة دي بالغلط، والبيت ده ليه كبيرة، ولو مقولتيش للكل برا إنك بتتعلمي مني الأدب والأصول، هخلي حازم يرميكي رمية الكلاب.” وبعدها صوت كف اتمط على وشي.

​حازم كان فاتح خط تليفونه معايا طول ما كنت في المطبخ بجيب طبق الفاكهة. سمع كل حاجة لايف.

​”أنا مكنتش مستني أشوف هتعملي إيه يا أمي،” حازم قالها وصوته طالع زي دبة الرصاص، “أنا كنت مستني أشوف آخر قسوتك هتوصل لفين. ووصلت.”

​الحاج رأفت حمايا، رفع عينه لأول مرة، وبص لميرفت بنظرة كسر وخزي، وكأنه كان عارف البير وغطاه بس ساكت من سنين.

​حازم مسك إيدي، وقامت وبصيت لميرفت بكل قوة، الخبطة اللي في وشي م بقتش توجعني، بالعكس، دي كانت شهادة ميلاد حريتي.

​”حساب الهدوم والحاجة بتاعتنا هبعت بواب يجيبها بكرة،” حازم قالها وهو بيلتفت ومشي بيا ناحية الباب، “ومن النهاردة، ميرفت هانم ملهاش ابن اسمه حازم.”

​خرجنـا، وقفلنا الباب ورايا. وصوت القفل وهو بيترد ورا ضهرنا كان أحلى نغمة سمعتها في حياتي. الباب اتقفل للأبد، وسبنا ورايا قصر من برة، ومقبرة من جوة، وطلعنا على بيتنا.. على حياتنا اللي بنبنيها بإيدينا، أحرار.

لما ركبنا العربية، حازم فضل ماسك الدريكسيون بإيدين بتترعش من كتر الغضب المكتوم. مكنش بينطق، بس نفسه كان عالي وضيق.

​حطيت إيدي على إيده وقولتله بصوت واطي: “حازم.. أنا كويسة، متعملش في نفسك كده.”

​بصلي وعينه كانت مليانة دموع محبوسة، ودي كانت أول مرة في حياتي أشوف حازم بيعيط. قرب مني واخدني في حضنه وفضل يتأسف لي مية مرة. كان بيقولي: “سامحيني يا فريدة.. سامحيني إني دخلتك البيت ده.. سامحيني إنها تمد إيدها عليكي.”

​في اللحظة دي، أنا مكنتش حاسة بالضعف خالص. بالعكس، حسيت إن القلم ده فك طوق كان مربوط حوالين رقبتنا إحنا الاتنين. حازم كان عايش طول عمره تحت ضغط “برستيج العيلة” والواجبات اللي بتفرضها عليه أمه، والنهاردة هو اختار يشتري كرامته وكرامتي، ويبيع الزيف ده كله.

​وصلنا شقتنا الصغيرة. الشقة اللي ميرفت هانم رفضت تيجي تبارك لنا فيها يوم ما فرشناها عشان “منطقتها مش قد المقام” وعشان “مساحتها متجيش مساحة صالون بيتها”. بس أول ما دخلناها وقفلنا الباب، حسيت بدفا عمري ما حسيته في قصر ويتمور. هنا مفيش حد بيراقب ضحكتنا، ولا حد بيعد علينا أنفاسنا.

​صلينا الفجر جماعة مع بعض، ودعينا ربنا يقوينا على اللي جاي. ونمنا وإحنا مرتاحين، لأول مرة من خمس سنين، نمت ومن غير ما أفكر هقول إيه بكرة لحماتي عشان أرضيها.

​تاني يوم الصبح، التليفونات م بطلتش رن.

طارق أخوه كلم حازم وبيحاول يهدّي النفوس ويقوله: “يا حازم كبر مخك، دي أمك برضه ومكنش ينفع تسجل لها وتفضحها قدام العيلة، شكلها بقى وحش قوي قدام طنط ليندا وعمك رأفت.. تعالى بس بوس على إيدها والدنيا هتتصلح.”

​حازم رد عليه بكلمة واحدة: “اللي يرضى على مراته الإهانة يبقى مش راجل يا طارق. وأنا أمي ماتت بالنسبالي من اللحظة اللي مدت إيدها فيها على مراتي. م تتصلش بيا تاني.” وقفل السكة في وشه.

​بعدها بأسبوع، عرفنا من العمة ليندا إن البيت هناك اتقلب جحيم. ريهام، مرات طارق، لما شافت حازم أخدني ومشي ومفرقش معاه فلوس ولا ورث، قلبها جمد. لأول مرة وقفت لميرفت وقالتلها “لأ” لما حاولت تهزأها، ولما طارق زعق لمراته عشان خاطر أمه، ريهام لمت هدومها وراحت بيت أهلها وطلبت الطلاق.

​بيت ميرفت المثالي، اللي كان قايم على الخوف والسيطرة، بدأ يقع حتة حتة زي بيت الكوتشينة. حمايا الحاج رأفت بقا يقضي طول وقته في النادي وم بيرجعش البيت غير على النوم، وطارق ساب البيت وقاعد في لوكاندة بيحاول يصالح مراته، وميرفت بقت قاعدة بطولها في القصر الفاضي، مفيش حواليها غير الخدم وصورتها المتبروزة على الحيطة.

​التاج بتاعها وقع، والكل اكتشف إنه كان من صفيح مش من دهب.

​أما أنا وحازم، فكنا بنبدأ من جديد. حازم ركز في مكتبه المعماري وبقى يشتغل ليل نهار، وأنا رجعت لمدرستي وأنا راسي مرفوعة وسط زمايلي. ربنا كرمنا ورزقنا بعد كام شهر بحمل، ولما عرفنا إنها بنت، حازم بصلي وابتسم وقالي: “هنربيها على الأصول والجدعنة.. وهتطلع شبهك، غالية وم بتركعش غير لله.”

​الباب اللي اتقفل ورا ضهرنا في قصر ميرفت، اتقفل على خمس سنين من الذل، واتفتح مكانه باب لحياة جديدة، كلها رضا، وبركة، وعزة نفس….

مرت الأيام، وبطني بدأت تكبر، ومع كل يوم كان بيمر، كنت بحس إن ربنا بيبعت لنا رزق وبركة مكنّاش نحلم بيهم. مكتب حازم الصغير بدأ يتطلب فيه شغل من شركات كبيرة، سبحان الله، وكأن ربنا كان بيعوضه عن كل قرش سابه ورا ضهره في بيت أمه عشان يشتري كرامتنا.

​وفي يوم، وأنا في الشهر السابع، الباب خبط.

​فتحت ولقيت الحاج رأفت، حمايا، واقف قدام الباب. وشه كان باين عليه التعب والسن، وفوق كتفه هم كبير. حازم أول ما شافه قام من على المكتب وجري عليه، أخده في حضنه وباس إيده ورأسه. مهما كان، ده أبوه والراجل ملوش ذنب في جبروت مراته.

​قعدنا وحمايا بص لحازم ودموعه في عينه وقال له: “وحشتني يا ابني.. البيت من غيرك ضلمة ومفهوش روح.”

​حازم طبطب على إيده وقال له: “يا بابا أنت تنورنا في أي وقت، البيت بيتك، بس أنت عارف إن رجوعي هناك مستحيل.”

​الحاج رأفت تنهد وقال: “عارف يا ابني، وعذرك معاك. أنا جاي أقولك إن ريهام رجعت لطارق بعد ما طارق اتغير واشترى شقة برة قصر أمه، وأمك دلوقتي قاعدة بطولها في البيت الكهف ده.. مبيزورهاش حد، وحتى الخدم بيمشوا من معاملتها. المرض شد عليها يا حازم، والجلطة أثرت على حركتها، ومبتنطقش غير اسمك.”

​حازم سكت، وبص في الأرض، وكنت شايفة الصراع اللي جوايا. دي أمه، مهما عملت، والدم عمره ما يبقى ميه.

​قمت وقعدت جنبه، ومسكت إيده وقولت له: “يا حازم، المسامح كريم، وإحنا ربنا نصرنا وأكرمنا، والست مريضة وفي دار حق، والرسول عليه الصلاة والسلام وصانا بالوالدين حتى لو كانوا على غير ديننا، فما بالك بأمك؟ روح زورها يا حازم، وبرّ بيها لوجه الله، مش عشانها.. عشان ربنا يبارك لنا في بنتنا اللي جاية.”

​حمايا بص لي وعينه بتلمع بالدموع وقال: “أصيلة يا فريدة.. وبنت أصول. أنا كنت عارف إنك أنضف مننا كلنا.”

​حازم بص لي بنظرة حب وفخر عمري ما هنساها، وباس دماغي وقال: “حاضر.. عشان خاطر ربنا، وعشان خاطرك.”

​تانى يوم، حازم أخد بعضه وراحلها المستشفى. حكالي بعد كده إنه أول ما دخل عليها، لقاها خسّت النص، والتاج الفضي اللي كان على راسها انطفى، والغرور اتمحى من وشها. أول ما شافته، عيطت من قلبها، وحاولت ترفع إيدها —نفس الإيد اللي ضربتني بيها— عشان تمسك إيده وتطلب منه السماح.

​حازم باس إيدها وقال لها: “أنا مسمحك يا أمي، وفريدة كمان مسمحاكي، وربنا يشفيكي.”

​ميرفت هانم عاشت اللي باقي من عمرها مكسورة الجناح، بس على الأقل عرفت قيمتنا. وأنا ولدت بالسلامة وجبت “خديجة”، اللي ملّت علينا الدنيا ضحك وفرحة.

​القصة مخلصتش بخراب البيوت، خلصت بإن كل واحد أخد حقه. ميرفت عرفت إن الفلوس والسيطرة مبيشتروش لِمة العيلة، وإحنا عرفنا إن اللي بيتقي الله وبيصون مراته وبيقف في وش الظلم، ربنا بيعوضه ببيت كله رضا وسكينة، وباب مقفول علينا بالحب والأمان لآخر العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *