تحذير الأطباء حكايات صافي هاني

الدكاترة حذروا وقالوا: “عمرهم ما هيمشوا على رجليهم”. بس لما الملياردير الإسكندراني أحمد عز الدين عرف المربية كانت بتعلم ولاده إيه في السر، وقف مكان مشلول من الصدمة.

​في الإسكندرية، كان قصر أحمد عز الدين ظاهر وواضح للكل. القصر الكبير كان بيطل مباشرة على البحر، وبيلمع بعواميد بيضاء فخمة، وواجهات زجاج ملوش آخر، وجناين متظبطة على الشعرة. بالنسبة للناس بره، القصر ده كان عنوان النجاح—قصة كفاح راجل بني إمبراطورية من مفيش، وغزا سوق البورصة والاستثمار بالالتزام والذكاء.

​بس جوه القصر، كان الصمت هو اللي حاكم.

​مش صمت هادي ومريح، لأ، ده كان سكون يقبض القلب ومبيخلصش.

​بقالهم خمس سنين، الصوت الوحيد اللي بيقطع هدوء الصبح هو الصوت الواطي لـ عجل الكراسي المتحركة وهي بتتحرك على الأرض الرخام—الكراسي بتاعة ولاده التوأم.

​سيف ويوسف عز الدين كان عندهم خمس سنين. أذكياء، خيالهم واسع، ومليانين حيوية. بس للأسف، مرض عصبي اتشخصوا بيه وهم لسه لحم مفروم غير كل حاجة.

​أكبر الاستشاريين قالوا: “ضمور الأعصاب في الأطراف السفلية ملوش علاج”. والدكاترة في القاهرة والإسكندرية، وحتى اللي جابهم من برة مصر، كلهم أجمعوا على نفس النتيجة اللي تكسر الظهر:

​”ولادك عمرهم ما هيمشوا على رجليهم.”

​أحمد، الراجل اللي مبيؤمنش غير بلغة الأرقام والواقع، تعامل مع الموضوع بشكل عملي. عمل ممرات مائلة للكراسي، وعدّل الأسانسيرات، واشترى أحدث أجهزة العلاج الطبيعي في العالم. وممرضات على أعلى مستوى بقوا يدخلوا ويخرجوا بنظام صارم وزي الساعة. بس رغم كل ده، البيت كان دايماً غرقان في كآبة وفضا.

​لحد ما دخلت “هناء” حياتهم.

​مصرّية بسيطة، مكانش عندها شهادات من جامعات دولية ولا سيرة ذاتية تبهر حد. اتولدت ونشأت في ريف طنطا، إيديها كانت باين عليها شقا العمل الشريف، وضحكتها فيها دفا حقيقي وميتمثلش. وهي بتعمل المقابلة مع أحمد، مبصتش خالص على النجف الكريستال ولا الصالونات المذهبة، دي وطت على ركبها علطول وبقت في نفس مستوى سيف ويوسف وكلمتهم وعينيها في عينيهم.

​أحمد قالها بنبرة ناشفة: “أنا مش محتاج دادة تلعب معاهم، ولادي حالتهم الطبية حرجة وصعبة”.

​هناء ردت عليه بكل هدوء وثقة في الله: “يا فندم مفيش حاجة صعبة على ربنا، دول مش عاجزين، دول معجزة من ربنا ولسه هتكبر وتظهر للدنيا”.

​كلامها كان ممكن يبان طيب وزيادة عن اللزوم، بس هو وافق يشغلها وخلاص. يمكن كان بيتعلق بقشاية أمل، ويمكن عشان خلاص مابقاش عنده حلول تانية.

​في خلال أسابيع قليلة، حال القصر اتقلب تماماً. ريحة المطهرات النفاذة والخنقة اختفت، وظهرت مكانها ريحة الفطير المشلتت السخن والمخبوزات والقهوة. الستائر اللي كانت دايماً مقفولة بحجة “الأمان والمحافظة عليهم” اتفتحت على آخرها، والشمس دخلت تملى الأوضة دفا. الضحكة رجعت للبيت تاني—ومش أي ضحك، دي ضحكة طالعة من القلب وهزت الحيطان.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *