عزومة العيله حكايات صافي هاني

وصلت لعزومة العيلة في تاكسي – وقدام الكل، أبويا سألني: “فين العربية اللي كنت جايبهالك؟” وقبل ما ألحق أنطق حتى، جوزي رد بكل برود: “أنا اديتها لأمي، كانت محتاجة لها أكتر.” محدش من اللي قاعدين دافع عني… بس لما لمحت أبويا بيطلع تليفونه بالراحة من تحت التربيزة، عرفت إن الإهانة دي مش هتعدي بالساهل.
أبويا سأل سؤال واحد بس – بس كان كفيل يخنقني ويقطع النفس في صدري.
”أنتي جيتي في تاكسي ليه يا جيهان؟ فين الهوندا السيفيك اللي كنت مديها لك؟”
التربيزة كلها سكتت صدمة.
وأنا كمان سكتت.
قلبي كان مقبوض من ساعة ما التاكسي نزلني قدام بيت أهلي. كنت دافعة حق المشوار بآخر فلوس فكة في شنطتي، وظبطت فستاني البسيط، ووقفت ثانية أبص على العربيات المترصصة بره – عربية عمي البي إم، مرسيدس ابن عمي، وعربية أخويا الدفع الرباعي. كلهم بيلمعوا ومغسولين. كلهم كانوا بيفكروني في صمت قد إيه حياتي صغرت وضاقت من ساعة ما اتجوزت.
عزومات عيلتنا الشهرية دي دايماً بتبان مثالية. الأطباق الشيك، المزيكا الهادية، أبويا اللي قاعد على رأس التربيزة، والضحك اللي مالي كل ركن.
وجوزي، شريف، قاعد وسطهم وكأنه واحد من العالم ده من زمان.
مقفلش حتى لما دخلت.
ولا كلف نفسه يبص لي.
فضل يقطع في حتة اللحمة اللي قدامه، ويشرب عصيره، ويتصرف ولا كأن في حاجة غلط – وكأنني منزلتش حالا من تاكسي قدام بيت كل اللي فيه عارفين إن كان معايا عربية زيرو لسه جاية لي هدية من ست شهور.
كنت مستعدة أكدب.
كنت هقول إنها في التوكيل بتعمل صيانة، أو إنني كنت مستعجلة.. أي حاجة عشان أداري عليه. عشان أخبي الشروخ اللي في حياتنا، وأبلع الإهانة قبل ما حد يشوف حقيقة جوازي عاملة إزاي.
بس شريف اتكلم قبل ما أنطق.
مسح بوقه بالمنديل بكل برود، ورفع كبيته، وقال بصوت هادي — هادي ومستفز جداً:
”أنا اديتها لأمي. كانت محتاجة لها أكتر.”
بكل بساطة كده.
من غير ما يرجع لي، من غير تردد، ومن غير نقطة دم أو خجل.
وزاد عليها وقال إن والدته كانت بتتحرج وهي رايحة المسجد لعقد قران أو مناسبة بعربيتها القديمة المتهالكة… وإنني كده كده شغلي قريب من هنا… وممكن عادي آخد تاكسي أو أوبر — “الحاجات دي متوفرة يعني”.
كأن الموضوع تافه وما يستاهلش.
كأنني أنا ماليش لازمة.
وشي اتخطف والنار قادت فيا.
مش عشان العربية راحت —
بس عشان قالها وكأن رأيي ملوش أي قيمة. كأن الحاجة اللي تخصني ينفع تتوزع لله وللوطن من غير ما يفكر مرتين. كأن معنى إنني بقيت مراته إن كل اللي حيلتي بقى ملكه — وبالتبعية، ملك أمه.
والأوضخ من كل ده؟
إن الموضوع ده مش جديد عليا.
دي بس كانت أول مرة الكل يشوف المهزلة دي عيني عينك قدامهم.
القميص اللي كان لابسه الليلة دي؟ أنا اللي دافعة تمنه.
الساعة اللي في إيده؟ من فلوسي برضه.
حتى الهدايا اللي كان بيروح يديها لأمه بفخر كانت بتتدفع من جيبي — من فيزتي، ومن خير أهلي عليا.


