من سرق الطفله حكايات صافي هاني
المكان كان هادي جداً… هدوء ما قبل العاصفة.
ترابيزات فخمة، كاسات بتلمع تحت الشمس، وناس ملهية في دنيتها وضحكها.
وفجأة —
صرخة واحدة كسرت هدوء المكان كله، صرخة هزت القلوب.
“ماما! ”
كل الوشوش اتلفتت مصدومة.
بنت صغيرة زي الملاك، فستانها غالي وشيك.. قاعدة على كرسيها العالي.
إيديها الصغيرة كانت بترتعش، وعينيها مليانة رعب وكسرة.
بس الصدمة؟ البنت مكنتش بتمد إيدها للراجل الغني اللي قاعد معاها…
دي كانت بتمد إيدها لـ “إيفلين”.
الويتر الغلبانة، الشقيانة، اللي عندها ٢٨ سنة.
إيفلين اللي عايشة في الدنيا “خيال مآتة”.. محدش بيشوفها ولا بيحس بوجودها في الأماكن الفخمة دي.
محدش بيحس بالغلابة… لحد اللحظة دي.
البنت رمت نفسها بكل قوتها عشان توصل لها، والكرسي كان هيتقلب بيها.
إيفلين اتسمرت في مكانها، الدم هرب من عروقها.
إبريق المية سِلت من إيدها المرتعشة… واتدشمل مية حتة على الأرض.
“أمي! أمي! ”
السكوت كتم على أنفاس المكان.
مش أي سكوت… دا السكوت المرعب اللي بيسبق الكارثة.
إيفلين بصت للأرض ونفسها اتقطع، حاسة بقهر الدنيا كله فوق كتافها:
“أنا… أنا مش… ”
وفجأة… قام “فكتور هيل”.
والجو كله اتقلب لخوف.
الراجل ده الكل بيترعب من اسمه.. صاحب نفوذ وسلطة، ومبيعرفش الرحمة.
راجل مبيسمحش بالغلط، والكل تحت رجليه.
بس المرة دي… مكنش باصص على الفوضى ولا المية المدلوقة.
كان باصص في عين إيفلين.
ملامحها… تفاصيل وشها… وعينيها الخضرا.
الصدمة الكبيرة؟ إن بنته دي عمرها ما نطقت كلمة واحدة من يوم ما اتولدت!
بكمة… مابتتكلمش.
لكن دلوقتي؟ متبتة في هدوم واحدة غلبانة وشغالة، وبتصرخ بأعلى صوت وتناديلها: “ماما”.
فيكتور قال بصوت واطي ومخيف: “بنتي عمرها ما اتكلمت”.
الهدوء بقا يوجع.
إيفلين حاولت تبعد وتستخبى من نظراته… بس الطفلة كلبشت فيها أكتر، كأنها بتستجير بيها من الدنيا.
“أنا معرفهاش… ” إيفلين همست والدموع مغرقة عينيها… بس حتى دموعها كانت بتكذبها.
قرب منها فيكتور.. ببطء.. وكل خطوة بتهد جبل.
بص في عينيها وقال بسؤال كسر اللي باقي منها:
“أنتِ خلفتِ قبل كده؟ ”
السؤال نزل على قلبها زي الخنجر.
إيفلين اتجمدت.. ومن غير ما تحس، إيدها الشقيانة راحت على بطنها.
قالت بصوت مدبوح من القهر: “من سنتين… ”
ودموعها نزلت: “قالولي في المستشفى إنها ماتت وهي بتتولد… ”
شهقة وجع لفت المكان كله.
وفجأة من وراهم — الأبواب الحديد اتقفلت.
انعزلوا عن العالم.. مفيش مخلوق هيخرج.
البنت استخبت ودفنت وشها الباكي في مريلة إيفلين القديمة..
“ماما… ”
فيكتور قرب لدرجة إنه شاف الحقيقة الشنيعة.. شاف الظلم بعينه. نفس العينين الخضرا.. نفس الملامح.
وطى عليها، وصوته بقا زي سم الموت:
“امال فهميني… ”
“ليه بنتي عارفاكي؟ ”
إيفلين بصت للطفلة اللي نايمة في حضنها.. وبعدين بصت للراجل الغني.
