ندم عمري حكايات صافي هاني

ابني كان لسه يدوب عنده سبع أيام لما لقيته غرقان في السخونية وجنبه أمه مغمي عليها ومش حاسة بالدنيا. الدكتور أول ما بصلهم قال كلمة واحدة: “اطلبوا الشرطة”.
اسمي يحيى، وعايش في منطقة شعبية على قد حالها.
شغال مشرف مخازن في شركة توريدات بناء. مراتي “ندى” كانت أطيب وأهدأ إنسانة عرفتها في حياتي، كانت تشكر الكاشير اللي بيتجاهلها، وتعتذر لو حد خبط في عربية السوق بتاعتها، وبطريقة ما كانت مخليّة بيتنا الإيجار الصغير ده فيه دفا وبركة ميتوصفوش.
قبل سبع أيام من كل اللي حصل ده، ولدت أول فرحتنا.
ولد.
سميناه “يوسف”.
يومها الصبح في المستشفى، لما شلته وهو ملفوف في لفة بيضا وطاقية لبني صغيرة نازلة على ودنه، حسيت إن ربنا أخيراً حط في إيدي حاجة نقية من غير ذنب.
بس كنت غلطان.
بعد أربع أيام من رجوع ندى البيت، جالي تليفون من الشغل. قالوا فيه مشكلة كبيرة في فرع تاني.. ورق بضاعة ناقص، والمورد مهدد بقضايا، وإمضائي أنا اللي على الملفات، ومفيش حد هيعرف يحل الليلة دي غيري.
قلت للمدير: “مش هينفع، مراتي لسه والدة وابني مكملش أسبوع”.
فضل يتحايل عليا ويقولي هما أربع أيام بس، والشركة ممكن تخسر العميل، ومستقبلي في الشغل كله ممكن يضيع.
وعملت الحاجة الوحيدة اللي هفضل ندمان عليها لحد ما أموت.
سافرت.
قبل ما أمشي، كنت واقف في المطبخ مع أمي وأختي الصغيرة “رنا”.. ريحة المطبخ كانت صابون مواعين، والغسالة شغالة، وندى نايمة في الأوضة ويوسف نايم في حضنها.
قلت لهم: “بالله عليكم خلوا بالكم منها، دي لسه تعبانة، ودكتور المستشفى قال محتاجة راحة، وأكل دافي، وسوائل كتير عشان تقدر ترضع الواد”.
أمي طبطبت على خدي كأني لسه عيل عنده عشر سنين.
وقالت لي: “يا يحيى دي بقت بنتنا خلاص، روح شوف شغلك وأنت مطمن، مراتك وابن ابننا في عنينا”.
رنا ابتسمت وهزت صباع يوسف الصغير وقالت: “جرى إيه يا عم يحيى؟ محسسنا إنك الوحيد اللي بتحبهم! سيبها على الله، إحنا سادّين”.
صدقتهم.
وده كان أول ذنب أعمله في حقهم.
خلال الأربع أيام دول، كنت بكلم البيت كل شوية.
في كل مرة أمي اللي كانت بترد.
وفي كل مرة كانت تفتح الكاميرا لثواني معدودة وتلفها بالعافية.
أشوف ندى نايمة على السرير، وشها باهت تحت ضوء اللمبة السهاري، شفايفها مشققة، وشعرها ملزوق في وشها، وعينها نص مفتوحة كأنها منامتش من يوم الولادة.
في مرة همست وقالت: “يحيى…”
وقبل ما تكمل الكلمة، أمي أخدت التليفون بسرعة.
وقالت بحزم: “دي الهرمونات مأثرة عليها، كل اللي بيولدو جداد بيبقوا كدة بيعيطوا من أقل حاجة، متزودهاش عليها أنت كمان بأسئلتك”.
مرة تانية، سمعت صوت يوسف بيعيط في الخلفية.
بس مكنش عياط طبيعي.
كان صوت شرقة ناشفة ونازلة من الزور، كأن حنجرته الصغيرة تعبت من كتر النداء.
سألتها: “هو الواد بيعيط كدة ليه؟”
