اختفاء بنتها ٣ حكايات صافي هاني

الظابط شاور لعسكريين: “شيلوا البوسترات دي فوراً!”.
العساكر هجموا على الحيطة وبدأوا يقطعوا الصور والبوسترات الكبيرة اللي كانت مغطياها بالكامل. أول ما الورق اتمزع، ظهرت الكارثة.. الحيطة مكنتش مدهونة زي بقية الأوضة، دي كانت عبارة عن طوب أسمنت نيء ومحارة متقشرة ومعمولة بكروتة، ومتقفلة على شكل مستطيل طولي في قلب الحيطة الأساسية، كأن فيه باب أو تجويف سدوه بسرعة.
الظابط قرب وحط إيده على المحارة، وفجأة بقعة أسمنت صغيرة وقعت على الأرض، وظهر من وراها فراغ أسود وضلمة كحل. الظابط زعق في الرجالة: “هاتوا كازمبيل أو أي حاجة تقيلة نكسر بيها الحيطة دي! بسرعة!”.
أحمد لما شافهم بيبدأوا يهدوا الحيطة، جسمه كله اتشنج والبرود اللي في عينه اختفى تماماً، وبقى بيعافر مع العساكر ويصرخ بهستيريا مسمعتهاش منه في حياتي: “لااااا! سيبوها! محدش يلمسها! ندى نايمة.. ندى مرتاحة هنا! متصحوهاش!”.
واحد من جيراننا جاب شاكوش حديد كبير وبدأ يرزع في الطوب النيء بكل قوته. مع كل ضربة، كان قلبي بيتخلع من مكانه والأسمنت بيتفرفت، لحد ما الطوب بدأ يقع ورا بعضه ويفتح فجوة واسعة جوه الحيطة.
الظابط نور بكشافه القوي جوه الفتحة.. وفجأة، الكشاف ثبت، والظابط اتجمد في مكانه تماماً، والشاكوش وقع من إيد جاري وعمل رزع هز الأرض.
الكل رجع لورا وهم بيصرخوا ويكتموا بوقهم من المنظر. أنا قربت بخطوات ميتة وبصيت جوه الفتحة.. وفجأة صرختي قطعت سكون الليل كله لما شفت اللي مستنينا جوه الضلمة!
جوه الفجوة الضلمة، وتحت نور الكشاف، ظهر قبو صغير ضيق مبني جوه تجويف الحيطة. في آخر التجويف ده، كانت ندى قاعدة على كرسي خشبي صغير، ساندة راسها على الحيطة وكأنها نايمة.
جسمي اتجمد ومبقتش قادرة أتنفس وأنا شايفة بنتي قدام عيني بعد حداشر شهر. كانت لابسة نفس الفستان الأزرق الشاحب اللي اتصورت بيه، بس الفستان كان متبهدل وتراب الأسمنت مغطيه. الظابط قرب بسرعة ونور الكشاف على وشها.. وهنا كانت الصدمة اللي لفت دماغ الكل.
ملامح وش ندى كانت واضحة تماماً، مكنتش هيكل عظمي ولا ج*ثة متحللة! أحمد كان حاطط مواد كيميائية وجير أبيض حوالين المكان عشان يحفظ ج*ثتها من التحلل، وكأنها اتحنطت في مكانها. عينها كانت مقفولة بهدوء مرعب، وإيديها الاتنين كانوا مفرودين على حجرها، وفي إيدها اليمين كانت ماسكة ورقة صغيرة مطبقة.
الظابط مد إيده وهو بيترعش وسحب الورقة براحة من بين صوابعها الناشفة. فتح الورقة وقرأ اللي فيها، وفجأة وشه اتقلب وبص لأحمد بنظرة رعب حقيقي، وبعدين بصلي وقال بصوت مهزوز: “يا أمي.. الكلام ده مكتوب بدم!”.
أحمد ورا العساكر بدأ يضحك ضحكة هستيرية عالية، ودموعه نازلة على وشه وهو بيصرخ: “أنا مق*تلتهاش! هي اللي اختارت! اقرأ يا ظابط.. اقرأ المكتوب عشان أمي تعرف إن ندى هي اللي طلبت تفضل معايا!”.

