ام تترك اولادها حكايات صافي هاني

“رجعت بعد سنتين، كنت فاكر إن ولادي مستنييني هم وأمهم، لكن لقيتهم لوحدهم.. تلاجة فاضية وكلب حارس الباب. بنتي مقالتش غير جملة واحدة: ‘ماما مشيت وأنا اللي باخد بالي من أخويا الصغير’، بعدها فتحت جواب جاي من البنك وعرفت إن اللي جاي أسود وأصعب بكثير.
— أمك هربت مع راجل تاني وقالت مش قادرة تشيل شيلتكم.
ده كان أول كلام سمعه القبطان جلال لما رجع بيته بعد غياب قريب من سنتين في مأمورية عسكرية صعبة بعيد عن بلده. مكنش فيه أحضان ولا لمت عيلة، ولا لقمة دافية مستنياه، ولا حتى صوت ونس في الصالة.
مفيش غير بنته فريدة، بنت العشر سنين، واقفة عند الباب بعيون مطفية وتعبانة، وشايلة أخوها الصغير مصطفى على دراعها كأنها أمه. وجنبها “رعد”، كلب جيرمن شيبرد خسيس من الجوع، بيشرس وواقف يحمي العيال بجسمه كأنه لسه بيدافع عن بيت الكل نسيه.
جلال رمى شنطة الميري من إيده.
فريدة.. أومال فين أمك؟
البنت وطت راسها في الأرض وعينيها مكسورة:
مشيت يا بابا.. بقالها شهور. قالت هتبدأ حياتها من جديد. فضلت أقول هترجع.. بس مرجعتش خالص.
جلال حس إن الأرض بتلف بيه وبتتشق تحت رجليه. ده هو اللي استحمل ليالي برد وخوف ومأموريات تطلع الروح، لكن مفيش وجع كسر ضهره قد نظرة بنته وإيديها الخشنة من التعب، ومريلتها المدرسة المتناسقة والمقَطّعة، والنشوفية اللي في ملامحها.. نشوفية متطلعش من عيل صغير أبدًا.
دخل الشقة براحة، ريحة الرطوبة والكمكمة في كل حتة، والمطبخ يضرب يقلب. كان فيه طبقين وحلة فيها شوية رز ناشفين، وكيس عيش ناشف زي الحجر، والتلاجة مفيهاش الهوا. لقى على الترابيزة كشكول فريدة، كانت كاتبة فيه موضوع تعبير بعنوان “عيلتي”.. رسمت أب بعيد في السما، وعيل صغير، وكلب كبير، ورسمت نفسها في النص شايلة كل ده على كتافها.
جلال حط إيده على بوقه وكاتم دمعته عشان ميتكسرش قدامهم.
ومين كان بيأكلكم يا بنتي؟
فريدة دفنت أخوها مصطفى في حضنها أكتر وقالت:
ساعات طنط أم محمد جارتنا كانت بتجيب لنا شوية فول. وساعات كنت ببيع أكياس غزل بنات وجيلي لأصحابي في المدرسة.. و”رعد” كان بيطرد أي حد ييجي يخبط عشان يلم إيجار أو فلوس.
مصطفى اللي لسه مبيعرفش يتكلم كويس، استخبى ورا ضهر أخته وهمس بصوت واطي:
ماما قالت فريدة بقت طول الباب وتقدر تشيل.
جلال غمض عينيه، والكلمة دي كانت أصعب عليه من رصاصة في صدره.. فين الرحمة وفين الأصول والشرع اللي بيقول إن ضناهم أمانة؟
الليلة دي، جلال استحمى وولاده، وعملهم شوية بيض باللي قِدر يدبره، وفضل قاعد صاحي جنب سريرهم لأن مصطفى كان بيصرخ ويموت من الرعب لو ساب إيده. والكلب “رعد” نام على عتبة الأوضة، كأنه صدق إنه قِدر يرتاح ويسلم الأمانة لصاحبها.
تاني يوم الصبح، جلال راح المدرسة الابتدائية. مدير المدرسة قابله بنظرة كلها مكس بين إنه ارتاح وإنه شايل منه وغضبان.


