واحنا واقفين حكايات صافي هاني

الدم اتجمد في عروقي، واللاسلكي في إيدي بقى أتقل من جبل. صوت الخطوات فوق راسي كان بيهز تراب السقف، وصوت سحب أجزاء السلاح بره الباب كان معناه إن معنديش غير ثواني.
”أمي؟ أمي هي اللي ورا كل ده؟” الكلمة كانت بتخنقني، كل حياتي طلعت كذبة.. الست اللي كانت بتعملي فطار وبتقولي “يا حبيبي” وهي بتطلب لبن، هي نفسها العقل المدبر للمشروع المرعب ده!
”جوليان، متسمعش لها!”
الصوت المرة دي مكنش من اللاسلكي، الصوت جه من ورايا، من حتة ضلمة في زاوية الأوضة الخرسانية. لفيت بسرعة وأنا رافع المفتاح الحديد كأني بدافع عن حياتي.
من وسط الضلمة، طلع راجل بيتحرك ببطء، ماسك في إيده مسدس وجسمه كله دم وهدومه مقطعة كأنه طالع من وسط انفجار.. كان أبويا.. الحقيقي! مكنش لابس ماسك، وعينيه كان فيها نفس النظرة الإنسانية الخايفة عليا اللي عشت عمري كله عارفاها.
أبويا قرب مني بسرعة وكتم بقّي بإيده وهو بيهمس ونفسه طالع بالعافية: “أنا عايش يا جوليان.. الانفجار اللي سمعته في التليفون كان بسببي عشان أعطلهم.. أمك مش في البيت، أمك بره المخزن ده دلوقتي حالاًا مع القوات الحكومتين اللي تلوين ليها.. اللاسلكي ده شغال بنظام بث بيكشف مكانك بمجرد ما يتفتح”.
صوت اللاسلكي طلع تاني وصوت أمي فيه ضحكة باردة تخوف: “قدامكم دقيقة واحدة وتطلعوا بالأصول.. وإلا المخزن كله هيدمر فوق رؤوسكم يا رايموند.. أنت وابنك”.
أبويا بص في عيني ودموعه نزلت: “أنا أسف يا جوليان.. أنا سرقت الملفات دي من عشرين سنة عشان كنت فاكر إني هقدر أحميك وأعيشك حياة طبيعية.. اللابتوب والفلاشة دول فيهم الهويات الحقيقية لآلاف البشر اللي أمك والمشروع بتاعها عايزين يصفوهم.. لو الملفات دي وقعت في إيدها، هتبيدهم كلهم”.
صوت ضرب النار بدأ بره الباب الخرساني.. القوات كانت بتحاول تفجر القفل.
أبويا سحبني من دراعي وفتح ضهر اللوحة اللي عليها صوري، ظهر وراها ممر ضيق جداً ممتد في ضلمة تانية: “الممر ده بيطلع على المزرعة اللي جنبا.. خبي الفلاشة واللابتوب في جاكتتك واجري.. ومتبصش وراك”.
سألته بقهره: “وأنت يا بابا؟”
أبويا ابتسم بوجع وسحب قنبلة يدوية من جيبه: “أنا عشت عشرين سنة ميت يا جوليان.. جه الوقت اللي أقفل فيه الملف ده بأيدي.. اخلع يا ابن رايموند.. وعيش!”
أبويا زقني جوه الممر وقفل الباب الحديد ورايا بالترباس من جوه. في نفس اللحظة، الباب الرئيسي للأوضة الخرسانية اتفجر، وصوت ضرب نار عنيف جداً بدأ بين أبويا والقوات اللي دخلت.
كنت بجري في الممر الضيق وأنا دموعي مغرقة وشي، وحاضن اللابتوب والفلاشة في صدري.. وفجأة سمعت صوت الانفجار الأخير.. الأرض اتهزت تحت رجلي، والممر بدأ ينهار ورايا.
جريت بأقصى سرعة لحد ما رميت نفسي بره الممر، لقيت نفسي وسط نجيل مزرعة واسعة والليل كان بدأ ينتهي، وضهر الفجر بيشق السما. بصيت ورايا، لقيت مخزن الغلال بيتحول لكتلة لهب ضخمة بتنور السماء الكحل.



