تزوجت مشردا حكايات صافي هاني

أنا ماريان، عندي 34 سنة، سينجل، ومستقلة مادياً. بالنسبة لأبويا وأمي، أنا زي القنبلة الموقوتة اللي خلاص فاضل لها تكة وتنفجر في وش الكل لمجرد إني لسة متجوزتش.
لسنين طويلة، كانوا مهووسين بحياتي العاطفية وكأنها حالة طوارئ قومية. كل عزومة أو لِمة عيلة بتتحول لاستجواب ومحاكمة عسكرية عن الجواز والخلفة، والأسطوانة المشروخة بتاعة “العمر بيجري والقطر هيفوتك”. جابوا لي محامين يزهقوا، ودكاترة شايفين نفسهم، وولاد أصحابهم اللي مفيش بينهم وبين القبول أي علاقة.. وكل خروجة كانت بتنتهي بنفس الطريقة: أتحجج بأي مصيبة وأمشي بدري.
لحد ما أبويا وأمي قرروا يلووا دراعي بجد.
قبل عيد ميلادي الـ 35 بتلات شهور، عزbackgroundوني على العشا، وقالوا لي ببرود تامت: لو متجوزتيش قبل ما تتمي الـ 35، مش هتاخدي مليم واحد من ورث العيلة. ولا جنيه واحد.
في الأول افتكرتهم بيهزروا أو بيخوفوني، بس طلعوا بيتكلموا جد الجد. أمي وهي بتاكل الحلو قالت لي بكل قساوة: “لازم تستقري يا ماريان، احنا مش هنشقى طول عمرنا ونسيب شقا عمرنا لواحدة رافضة تعمل عيلة.”
سبت لهم الأكل ومشيت وأنا دمي بيغلي. قعدت أيام مش جالي نوم من كتر التفكير، مش عشان الفلوس هيموتوني عليها، لأ، عشان فكرة إن قيمتي كلها كبني آدمة متلخصة في إن راجل يرضى عني ويتجوزني.
وفي يوم كان المطر فيه مغرق الشوارع، كنت مروحة من الشغل ماشية على رجلي ومتعصبة لدرجة إني كنت مستعدة أتخانق مع دبان وشي. وفجأة لمحته.. كان قاعد قدام قهوة في الدقي، ومسكين ماسك حتة كرتونة وبيطلب مساعدة. هدومه متبهدلة، ودقنه طويلة وطالعة لبرة، بس عينيه كان فيها هدوء غريب شدني وخلاني أقف مكاني.
من غير ما أفكر ولا عقلي يستوعب أنا هبب إيه، لقيت نفسي بقرب منه وبقول له: “بقولك إيه.. إيه رأيك في الجواز؟”
بص لي وبرق عينيه بالراحة كأنه فاكرني مجنونة أو بتمسخر عليه. وقفت معاه على الرصيف وشرحت له الليلة كلها.. جواز مصلحة، اتفاق مؤقت، هأكله وأشربه وأجيب له هدوم نضيفة وأديه قرشين، وفي المقابل يمثل إنه جوزي قدام أهلي لفترة لحد ما الورث يخلص.
عرفت إن اسمه مينا.
بعد ما فضل يبص لي بتاع عشر ثواني وهو ساكت تماماً، قال لي بصوت واطي وموزون: “ماشي، موافق.”
بعد تلات أيام بالظبط، بعد ما وديته للحلاق وظبط شعره ودقنه واشتريت له قميص وبنطلون شيك، دخلت بيه على أبويا وأمي وعرفتهم عليه إنه خطيبي. والصدمة بقى.. إنهم اتجننوا بيه وحبوه جداً!
أمي عيطت من الفرحة وهي قاعدة معانا على العشا، وأبويا قام سلم عليه وفضل يشد على إيده بفخر كأن مينا ده هو اللي حل أزمة سد النهضة! والغريب في الموضوع، رغم إن كل اللي بيحصل ده فيلم هندي ومسرحية، مينا كان بيتكلم بثقة وهدوء رهيب يخلي أي حد يصدقه ويرتاح له فوراً.
بعد شهر، اتجوزنا في الكنيسة وكتبنا الكتاب في المحكمة في هدوء تام وبدون وش. بصراحة، الموضوع مشي أحسن مما كنت أتخيل بكتير. مينا كان قمة في الأدب والذوق، بينضف مكانه، ساعات يطبخ، وعمره ما اتخطى حدوده معايا في كلمة أو نظرة. لدرجة إني ساعات كنت بنسى أصلاً إن في راجل غريب عايش معايا في نفس الشقة.


