استنجدت باختها 3 حكايات صافي هاني
مرت خمس سنين على الليلة دي. خمس سنين كاملين والحياة اتغيرت فيهم 180 درجة، لدرجة إننا ساعات بنقعد أنا ومارا نبص لبعض ونستغرب إزاي قدرنا نعدي من النفق المظلم ده ونوصل لبر الأمان.
البيت مابقاش مجرد سكن، بقى مليان روح وحياة. “آدم” كبر وبقى عنده خمس سنين، ولد شقي وعينه كلها ذكاء ولمضة، بيملى البيت جري وضحك من أول الشروق لحد ما ينام. “مارا” كمان مابقتش الست الضعيفة الخايفة بتاعة زمان؛ الصدمة اللي عاشتها خلتها تكتشف قوتها الحقيقية. كملت دراستها وعملت دبلومة في الدعم النفسي، وبقت بتشتغل مع منظمات ومؤسسات بتساعد الستات اللي بيتعرضوا للعنف المنزلي. بقت بتقولهم دايماً: “الخوف سجن إحنا اللي بنقفل بابه على نفسنا، وأول خطوة للنجاة هي إنك تتكلمي”.
أما بالنسبة ليا، فـ أنا اتصعدت في شغلي وبقيت رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في المديرية. كل حالة كانت بتجيلي، كنت بشوف فيها “مارا” قبل خمس سنين، وده كان بيديني طاقة وقوة مش طبيعية عشان أجيب لها حقها بكل الطرق القانونية المتاحة.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي بالمديرية، جالي إشعار قانوني على الكمبيوتر بخصوص قضية “إيفان”. محامينه كانوا مقدمين التماس جديد لإفراج صحي أو تخفيف العقوبة بحجة إن صحته تدهورت في السجن. مسكت الورق وبصيت فيه ببرود، وقررت أروح بنفسي أحضر جلسة الالتماس دي في المحكمة، مش كـ ظابط، لكن كـ أخت.
يوم الجلسة، وقفت في آخر القاعة. لما دخل “إيفان”، مكنتش قادرة أصدق إن ده الراجل اللي كان في يوم من الأيام بيهددني بنفوذه وفلوسه. وزنه نزل النص، شعره كله بقى أبيض، والغرور اللي كان مالي عينه اتمحى تماماً وحل مكانه انكسار وخوف حقيقي من الأيام اللي جاية ورا القضبان. بص ناحيتي ولقاني واقفة ببص له بثبات، وِشّه اتقلب ولف راسه الناحية التانية بسرعة.
المستشار قرأ تقرير المتابعة وتفريغ أدلة الجريمة القديمة تاني، وبص للمحامين وقال بلهجة حاسمة: “الالتماس مرفوض، والمتهم يقضي بقية عقوبته كاملة دون أي تخفيف”.
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة بنوع من العدالة المطلقة. الفلوس والنفوذ اللي كان فاكر إنهم درع بيحموه، مِقِدروش يغيروا حقيقة إنه مجرم بيموت بالبطيء في سجن انفرادي، والكل اتخلى عنه حتى أصحابه والمستثمرين اللي كانوا بينافقوه زمان.
رجعت البيت يومها بالليل، لقيت “مارا” مجهزة العشاء، و”آدم” قاعد على الأرض بيلعب بمكعباته. أول ما دخلت، آدم جِري عليا وحضن رجلي وهو بيضحك: “خالتو لينا جت!”. رفعتُه وحضنته وبصيت لمارا اللي كانت بتبتسملي بحب وسلام حقيقي.
قعدنا ناكل وإحنا بنخطط لرحلة مصيف الأسبوع الجاي. وأنا بتبسط لـ ضحكتهم، افتكرت مكالمة الساعة تلاتة الفجر، وافتكرت المطر، والدم، والخوف. بس المرة دي، الأفكار دي مجابتش معاقل قلق؛ بالعكس، حسستني بالفخر.


