حبست مراتي في المخزن حكايات صافي هاني

حسيت إن الدنيا بتلف بيا والارض بتهد تحت رجلي.
سألتها: “هي فين؟”
أمي مردتش.
دخلت الأوضة زي المجنون بزيح في الصناديق.
وبعدين لمحت حاجة، ورا دولاب قديم، كان فيه حيطة شكلها مش طبيعي، ومخربشة قريب قوي من الناحية اللي جوة.
زقيتها.
فتحت معايا.
وراها ظهر ممر ضيق، أحلف يمين إنه مكانش موجود قبل كده.
ريحتها كانت رطوبة وشمع مطفي وسر قديم قوي.
على الأرض كانت فيه بطانية بيبي.
مكانتش جديدة.
وكان اسمي متطرز عليها.
أندرو.
اتسمرت في مكاني.
أمي طلعت صوت عياط ونحيب ورايا.
“متروحش هناك.”
بس كان خلاص، الفأس وقعت في الراس.
عشان في آخر الممر، ومن بين الصناديق المتأقفلة بلزق أصفر، سمعت صوت سارة.
مكانتش بتستغيث ولا بتطلب تلحقوها.
كانت بتتكلم مع حد.
والحد ده رد عليها بصوت كنت فاكر إنه مات وشبع موت من تلاتين سنة…
جسمي اتصلب مكاني، والدم هرب من عروقي. الصوت ده أنا عارفه كويس، صوت كنت بسمعه في كوابيسي وفي ذكريات طفولتي المشوشة.. صوت أبويا.
أمي لفت دراعها حوالين وسطي وهي بتبكي بهستيريا، وبتشدني لورا بكل قوتها: “عشان خاطري يا أندرو.. بلاش يا ابني، متدخلش هناك، البيت ده ملعون.. سيبها واخرج معايا حالا!”
نفضت إيدها مني بعنف لأول مرة في حياتي. الغضب والخوف والشك عموا عيني. مشيت في الممر الضيق وعتمته بتاكلني، وكل خطوة كانت بريحة تراب ورطوبة وسنين مستخبية. الضلمة كانت كحل، بس في آخر الممر كان فيه نور ضعيف طالع من شق باب قديم.
وصلت للباب، وبإيد بتترعش زقيت الباب بالراحة..
الأوضة كانت واسعة، شبه قبو تحت الأرض، مليانة جرايد قديمة مصفرة وصور مقطوعة. وفي الركن، على سرير حديد مصدي، كان قاعد راجل عجوز، دقنه بيضا وطويلة، ووشه مليان تجاعيد تحكي قهر سنين. كان لابس لبس مهلهل، بس عينيه.. عينيه كانت شبه عيني بالملي.
وسارة.. سارة مراتي كانت قاعدة على ركبها جمبه، ماسكة إيده وبتعيط بسكات، كأنها لقت الأمان اللي أنا محمتهاش فيه.
أول ما الراجل العجوز شافني، شفايفه اتهزت ودمعة نزلت على تجاعيد وشه، وقال بصوت مبحوح ومكسور: “أندرو.. كبرت يا ابني.. بقيت شبهي يوم ما حبستني هنا.”
دماغي كانت هتنفجر، بصيت لسارة وأنا مش فاهم حاجة: “في إيه؟ مين ده؟ وأنتِ عرفتي المكان ده إزاي؟”
سارة وقفت وبصتلي بنظرة كلها قرف ووجع، وقالتلي: “ده أبوك يا أندرو.. الراجل اللي أمك فهمتك إنه مات بحادثة من تلاتين سنة. أمك حبسته هنا لما هددها إنه هيكشف سرها.. سر عيلتها والفلوس اللي سرقتها. فضلت مأكلاه ومشرابه هنا زي الكلب، ومفهمة الناس ومفهمّاك أنت شخصياً إنه مات.”
سألتها بذهول وصوتي بيترعش: “وأنتِ.. أنتِ إيه اللي جابك هنا؟”
سارة ضحكت بوجع وشاورت على الحيطة: “لما قفلت عليا المخزن، فضلت أصرخ وأخبط من الرعب، ومحدش همني.. بطني وجعتني وخفت على ابننا اللي في بطني. وأنا بخبط، الحيطة الخشب دي لفت معايا، لقيت نفسي في الممر، ومشيت ورا الصوت لحد ما لقيته.”


