حبست مراتي في المخزن حكايات صافي هاني

مرت السنين، وبقت الحكاية مجرد ذكرى بعيدة بنفتكرها بس عشان نعرف احنا وصلنا لفين. ديفيد كبر وبقى عنده خمس سنين، ولد شقي وعينيه فيها نفس اللمعة الصافية اللي كانت في عين جده.

​فتحت ورشة نجارة صغيرة على قدنا، وبقيت بشتغل بإيديا. الشغلانة دي علمتني الصبر.. علمتني إن الخشب الناشف ممكن يتشكل ويطلع منه حاجة جميلة لو اتعاملت معاه بحنية، بالظبط زي البني آدمين.

​أبويا عاش معانا خمس سنين في نور الشمس. مكنش بيفارق ديفيد ثانية، كان بيعوض فيه طفولتي اللي اتحرم منها. وفي ليلة هادية، نام أبويا ومصحيش.. مات وهو مبتسم، نايم في سرير نضيف وفي أودة شباكها مفتوح على الهوا، مش في ضلمة وقبر تحت الأرض. زعلت عليه، بس كنت مطمن إن ربه رحمه وأنا قدرت أرجعله حقه وأشيله في نني عيني قبل ما يقابل وجه كريم.

​وفي يوم، كنت راجع من الورشة وهدومي مليانة نشارة خشب وتراب. فتحت باب شقتنا الصغيرة، لقيت ريحة الأكل الطازة مالية المكان.. كانت سارة بتطبخ وديفيد بيجري حواليها وهي بتضحك.

​أول ما ديفيد شافني، جِري عليا ونط في حضني: “بابا! وحشتني!”

​شيلته وبسته، وبصيت لسارة اللي كانت واقفة عند المطبخ وبتتبسم.. الضحكة رجعت لوشها، والوجع والكسرة اتمسحوا تماماً.

​قربت منها، وحطيت إيدي بالراحة على كتفها: “تعبانة يا حبيبتي؟”

​بصت في عيني بنظرة كلها أمان.. النظرة اللي عشت سنين بحارب عشان أشوفها تاني. وقالتلي: “تعبك راحة يا أندرو.. الأكل جاهز، يلا غسل إيدك عشان ناكل.”

​قعدنا كلنا على الترابيزة.. أنا وسارة وديفيد. مكنش فيه صمت تقيل، ومكنش فيه “ملكة” بتتحكم فينا، ومكنتش الشوربة باردة. كان فيه صوت ضحك ديفيد، وكلام سارة عن يومها، وإيدي اللي ماسكة إيدها تحت الترابيزة.

​بصيت من الشباك على السما اللي بدأت تليل، وقولت في بالي: “الراجل مش بالفلوس ولا بالسيطرة، الراجل هو اللي بيعرف يحمي مراته وأولاده من نفسه ومن غضبه قبل ما يحميهم من الدنيا.”

​أنا أندرو.. وفي الليلة دي من خمس سنين، عملت أسوأ حاجة ممكن راجل يعملها. بس النهاردة، وأنا قاعد وسط عيلتي الصغيرة، وتحت سقف بيتي المليان رضا.. أقدر أقول بأعلى صوت إني أخيراً بقيت راجل محترم.

 

بعد العشا، سارة لمت الأطباق وديفيد جِري على أوضته يجيب لِعَبه. وقفت في الصالة الصغير وبصيت على الحيطة.. كان فيه صورة كبيرة متعلقة، صورتنا إحنا التلاتة ومعانا أبويا الله يرحمه قبل ما يموت بكام شهر، كنا متصورين في الجنينة والشمس مغرقانا وكلنا بنضحك من قلبنا.

​سارة خرجت من المطبخ، شافتني واقف وباصص للصورة. قربت مني في سكات، لفت دراعاتها حوالين وسطي وسندت راسها على كتفي.

​”بتفكر في إيه يا أندرو؟” سألتني بصوتها الدافي.

​أخدت نفس طويل ولفيت دراعي حواليها: “بفكر في كرم ربنا يا سارة.. بفكر إن البيت الصغير ده فيه بركة وأمان مكانش موجود في القصر الملعون بتاع زمان. وبفكر في أبويا.. نفسي يكون شايفنا دلوقتي ومطمن علينا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *