حبست مراتي في المخزن حكايات صافي هاني

وسارة كانت قاعدة جمبه.. بتقشرله تفاحة وبتتكلم معاه براحة.
خبطت على الباب ودخلت وراسي في الأرض. سارة أول ما شافتني وقفت، لمت حاجتها في شنطتها وبصت لأبويا: “أنا هسيبكم شوية يا عمي.. هكون برة في الاستراحة.”
عدت من جمبي ومبصتليش، بس مكانش فيه في عينيها الغضب والغل بتاع امبارح.. كان فيه نوع من الهدوء المريح.
قربت من السرير، أبويا بصلي وشاورلي أقعد جمبه.
قعدت ومسكت إيده: “أنا قدمت شهادتي يا بابا.. وأمي هيتوجّهلها تهمة الخطف والتعذيب وحبس حرية، والنيابة هتحولها للمحاكمة المحبوسة.. مش هتمشي بحرية تاني.”
أبويا هز راسه بأسى، وضغط على إيدي: “أنا مش شمتان فيها يا أندرو.. أنا صعبان عليا السنين اللي راحت من عمري ومن عمرك في الكدب ده.. بس أنا مسامحك، أنت مالكش ذنب، أنت كنت ضحية زيي.”
الكلمة دي نزلت على قلبي زي الماية الساقعة. سألته بصوت واطي: “وسارة؟”
أبويا ابتسم بوجع: “سارة ست بمليون راجل.. هي اللي نجتني، وهي اللي هتنجيك لو أنت صممت تتغير. سارة مش كارهالك يا ابني.. سارة مصدومة في الراجل اللي اختارته يحميها فحبسها. سيب لها وقتها، والوجع بياخد وقته عشان يدمِل.”
خرجت من الأوضة وأنا حاسس إن في حمل اتشال من على كتفي، بس المشوار لسه طويل. لقيت سارة واقفة في آخر الممر بتبص من الشباك.
قربت منها ووقفت على بعد خطوتين.
“أنا هبيع البيت الكبير ده يا سارة.. الفلوس كلها هتروح لعلاج أبويا ولحساب ابننا.. وأنا هبدأ من الصفر في مكان تاني، بعيد عن اسم كاثرين وبعيد عن القهر.”
لفت وشها وبصتلي، حطت إيدها على بطنها وقالت بصوت هادي: “دي أول خطوة صح تعملها يا أندرو.”
”تفتكري في يوم من الأيام.. ممكن تديني فرصة تانية؟ أكون فيها الأب والزوج اللي تستحقوه؟”
سارة سكتت، وبصت للشمس اللي برة، وقالت: “لما البيبي يتولد.. ولما أشوفك شايل أبوك وبتعوضه عن تلاتين سنة ضلمة.. ساعتها يمكن البيبي يحنن قلبي عليك.”
أخدت نفس عميق، ولأول مرة من سنين حسيت إن صدري بيملى هوا بجد. اللعنة اتهدت، والمخزن اتقفل للأبد، والنهاردة.. بدأت أول خطوة في طريقي عشان أكون الراجل المحترم اللي كان المفروض أكونه من زمان.
فاتت الشهور تقيلة بس كانت بتعدي، وكل يوم كان بيبعدني خطوة عن الكابوس ويقربني خطوة من الراجل اللي نفسي أكونه.
بعت البيت الكبير.. البيت اللي كان عامل زي القبر الماليان كدب. الفلوس كلها حطيتها في حساب باسم أبويا عشان علاجه ومصاريفه، والباقي شلته في حساب مقفول لابني اللي جاي. أنا مخدتش من فلوس “كاثرين” مليم واحد.. كنت حاسس إن أي قرش من الست دي ملوث وهيجبلي اللعنة من تاني.
أمي اتحكم عليها بالسجن المشدد. يوم النطق بالحكم، روحت ووقفت في المحكمة، وبصيت في عينيها وهي ورا القضبان. مكانش في عيني غل ولا شماتة، كان فيه زهد.. زهد في الست اللي فضلت تبيعلي وهم الأمومة وهي شايلا جوة قلبها غل يكفي بلد. مفيش دموع نزلت منها المرة دي، بصتلي بنظرة كلها كره، ودارت وشها ومشيت مع العساكر. في اللحظة دي، قفلت صفحتها من حياتي للأبد.


