حبست مراتي في المخزن حكايات صافي هاني

​مردتش عليها.. ومبصيتش في عينيها حتى. النور اللي جوايا ناحيتها كان انطفى تماماً.

​الظابط قرب من أبويا بكل احترام وسنده مع العساكر عشان ينقلوه على عربية الإسعاف اللي جت مع البوليس. وأنا والظابط كنا خارجين وراهم.

​قبل ما أركب بكس البوليس عشان أروح الإدارة أقول شهادتي كاملة، لفيت وشي وبصيت لسارة. كانت واقفة بعيد، لامة دراعاتها حوالين بطنها، والهوا بيطير شعرها.

​مشيت خطوتين ناحيتها، العسكري حاول يمنعني بس الظابط شاوره يسيبني. وقفت قدامها، مسافة متر واحد كانت أبعد من المحيطات.

​”أنا هعمل كل اللي عليا عشان أمي تاخد جزاءها.. وعشان أبويا يرجعله حقه. مش طالب منك ترجعيلي، ولا طالب منك تسامحيني.. بس أرجوكي، لما ابننا يتولد.. متقوليلوش إن أبوه كان ندل وبس.. قوليلو إنه فاق، وحاول يصلح الغلط في آخر لحظة.”

​سارة بصت في عيني، ودمعة واحدة نزلت على خدها، مسحتها بسرعة وقالت بصوت هادي بس يوجع: “الأيام هي اللي هتقول يا أندرو.. الأيام بس.”

​لفت وشها ومشت، ركبت عربية الإسعاف جمب أبويا عشان تطمن عليه.

​وأنا لفيت وطلعت عربية البوليس.. قعدت ورا القضبان الحديد، وبصيت على بيتنا الكبير في سافانا وهو بيبعد عن عيني.. البيت اللي افتكرته قصر، وطلع في الآخر مجرد مقبرة مبنية على الكدب والظلم.

​الليلة دي خسرت كل حاجة.. خسرت أمي، وخسرت مراتي، وخسرت نفسي القديمة. بس وسط كل الخراب ده، كنت حاسس لأول مرة في حياتي.. إني بني آدم حر.

التحقيق قعد ساعات وطحن فيا طحن. الظابط مكانش مصدق في الأول، كان فاكر إنها قصة من كوابيس عيل مجنون، بس معاينة النيابة للمخزن والممر السري اللي تحت السلم قلبت الدنيا. الجرايد وبطانية طفولتي والحيطة اللي متخربشة من جوة كانت شهود مابتكدبش.

​أنا مبرأتش نفسي، اعترفت بكل حاجة. اعترفت إني قفلت على مراتي الحامل ورضخت لكلام أمي. كتبت كل كلمة في المحضر ومضيت عليها وأنا حاسس إن القلم بيغرس في قلبي.

​خرجت من المديرية بكفالة على ذمة القضية والشهادة، الدنيا برة كانت ليل.. الضلمة رجعت تاني بس الهوا كان مختلف. ركبت عربيتي ورجعت على البيت.. القصر المهجور.

​أول ما فتحت الباب، ريحة البيت خنقتني. الصمت اللي كان زمان “ثقيل ومعتاد” بقى دلوقتي صمت مرعب زي صمت القرافات. الصالة مقلوبة، كراسي متطوحة، وكوباية الشاي اللي أمي ادتهالي عشان أنام كانت لسه واقفة على الترابيزة.. كبّيتها في الحوض وأنا حاسس بالقرف.

​دخلت المخزن.. قعدت على الأرض في نفس الحتة اللي سارة قعدت فيها. لمست الخشب المخدوش بأوافرها وهي بتحاول تنجد نفسها. عيطت.. عيطت لحد ما عيني ورمت وصوتي اتنبح.

​تاني يوم الصبح، روحت المستشفى اللي نقلوا فيها أبويا.

كنت خايف ومرعوب من مواجهته، بس كان لازم أروح. وصلت عند الاوضة، وبصيت من الزجاج الصغير بتاع الباب.

​أبويا كان قاعد على السرير، حالق دقنه، ولابس لبس نضيف، والستائر مفتوحة والشمس مالية الأوضة. ملامحه مكانتش باينة منها القهر زي امبارح، كان بيشرب عصير وبيتفرج على الشارع من الشباك وكأنه طفل بيشوف الدنيا لأول مرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *