مراتي غابت عن عيني حكايات صافي هاني

أنا غبت عن عيني مراتي عشر دقائق بس. فجأة صويتها شق صوت الكمانجات. لما جريت على الطرقة، لقيت أخويا محاصرها جنب باب المكتبة، فستانها مقطوع من عند كتفها، وإيديه لسه عليها. أمي بصت لدموع إيمان وهمست: “إنتي عملتي إيه عشان تخليه يتصرف كده؟” دي كانت اللحظة اللي توقعوا فيها إني هبلع ريقي وأسكت على الحقيقة.

​بس كانوا غلطانين.

​غبت عن عيني إيمان عشر دقائق، وفي الوقت القصير ده، عيلتي حاولت تدفن حاجة ما تتغفرش تحت كاسات الشربات، ومزيكا الكمانجات، وابتسامات مجتمعهم المزيف. على نص الليل، نفس الناس اللي كانوا بيبصوا لنا من فوق لفوق سنين طويلة، كانوا بيبوسوا إيدي عشان ما أدمّرهومش.

​الليلة دي، بيت أبويا كان قايد زي القصر. كانوا جايبيين عازفين كمان، وملوا الجنينة ورد أبيض، وعزموا نص البلد عشان يحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين. أخويا الكبير، مدحت، كان بيلف وسط الناس وكأنه ملك، بضحكته اللي مرسومة على وشه، بيسلم على ده وده، وبيستقبل النفاق والمدح اللي عمره ما استحقهم.

​أنا كنت الابن الهادي.

​اللي مشي وسابهم.

​اللي كانوا بيقولوا عليه إنه بقى جد زيادة عن اللزوم، وطيب زيادة، ومخلص لناس مش من “توبنا”.

​مراتي، إيمان، كانت هي المقصودة بكلمة “مش من توبنا”.

​في أول السهرة، سمعت أمي وهي بتوشوش:

​”لسه برضه مش لايقة على المكان هنا”.

​مكانتش تعرف إني واقف وراها.

​أبويا ضحك ضحكة خفيفة:

​”هو اللي اتجوز واحدة أقل منه.. سيبيه يتعلم”.

​لما حكيت لإيمان، ضغطت على إيدي بس.

​قالت لي: “بلاش تعمل مشكلة الليلة دي”.

​رديت عليها: “عشان خاطرك إنتي بس، مش هعمل”.

​وده كان غلطتي.

​بعد عشر دقائق، صويتها شق المزيكا.

​جريت في الطرقة الغربية، عديت من جنب الصور القديمة والأبواب المتلمعة، رايح ورا الصوت اللي خلع قلبي من مكانه. في آخر الطرقة، جنب المكتبة المقفولة، كان مدحت زنق إيمان في الحيطة. فستانها الأحمر كان مقطوع من عند كتف واحد، ووشها كان مخطوف، بس عينيها كانت بتطلع نار.

​مدحت لف أول ما شافني، كان سكران وطافح عياقة:

​”دي كدابة”.

​ضربته بالبونية قبل ما يكمل جملته.

​وقع على الترابيزة اللي في الجنب، ودشدش الإزاز على الأرض. إيمان رمت نفسها في حضني، كانت بpack وترتعش لدرجة إني حسيت برعشتها في العضم بتاعي.

​في اللحظة دي أمي وأبويا وصلوا.

​أمي بصت لفستان إيمان المقطوع.

​وبعدين لمدحت اللي واقع على الأرض.

​وأول حاجة نطقت بيها كانت:

​”إنتي عملتي إيه عشان تخليه يعمل كده؟”

​الطرقة كلها صمتت.

​إيمان اتجمدت في مكانها.

​بحلق في أمي، مستني أشوف في وشها رعب، كسوف، أي حاجة تتدل إنها بني آدمة.

​أبويا قرب خطوة:

​”وطي صوتك.. في ضيوف بره”.

​قلت له: “ده كان زنق مراتي”.

​مدحت ضحك وهو على الأرض:

​”هي اللي كانت عايزة تلفت الانتباه”.

​عيني أبويا قلبت وبقت باردة:

​”هتتأسف لأخوك حالا”.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *