حبست مراتي في المخزن حكايات صافي هاني

أخدت أبويا وعيشنا في شقة صغيرة على أدنا، شقة قريبة من المستشفى ومن الجنينة العامة. في الأول، كان بيخاف من صوت العربيات والزحمة، تلاتين سنة في ضلمة وقبر تحت الأرض يخلو أي بني آدم ينسى الدنيا. كنت بقعد جمبه بالساعات، أحكيله عن طفولتي، وأسمع منه عن شبابه اللي اتسرق، وبقينا بنتعلم نعيش من أول وجديد. كان كل ما يشوفني شايل صينية الأكل أو بساعده يلبس جزمتها، يبتسم ويقولي: “أنت بتغسل ذنبك يا أندرو.. وربنا غفور.”
أما سارة.. فمكانتش بتغيب عن بالي ثانية. كنت ببعتلها كل أسبوع رسالة وايطة، بطمن عليها، من غير ما أضغط عليها ولا أطلب أشوفها. كنت بسيبها تداوي جرحها براحتها.
لحد ما جه اليوم الموعود. تليفوني رن في نص الليل.. كانت ممرضة من مستشفى الولادة.
نزلت جري أنا وأبويا، وصلنا المستشفى وأنا قلبي هيقف من الخوف واليرقان. فضلت واقف قدام باب أوضة العمليات رايح جاي، دقات قلبي كانت أسرع من ثواني الساعة. أبويا كان قاعد على الكرسي بيسبح ويدعي بسكات.
بعد ساعتين طويل سِـكّ، الباب اتفتح والممرضة خرجت وفي إيديها لفة بيضا صغيرة.
”مبروك يا أستاذ أندرو.. جالك ولد زي القمر.”
قربت منها بركَب بتترعش، ومديت إيدي وأخدته منها بالراحة.. كان صغير قوي، وشه أحمر، وبيململ بإيديه الصغيرة في الهوا. بصيت في وشه وعيطت.. عيطت فرحة وخوف وقهر. بصيت لأبويا اللي جه وسند على كتفي وبص للطفل ودموعه نزلت هو كمان.
”هتسميه إيه يا ابني؟” أبويا سأل بصوت مخنوق من التأثر.
”هسميه.. ديفيد.. على اسمك يا بابا.”
الممرضة دخلتني أوضة سارة بالراحة. كانت قاعدة على السرير، وشها تعبان وشاحب، بس عينيها كانت صافية.. مفيهاش الوجع القديم.
قربت من السرير وحطيت ديفيد الصغير في حضنها. سارة بّصتله ولمست وشه، وبعدين رفعت عينيها وبصتلي أنا وأبويا اللي كان واقف ورايا بيبتسم.
قعدت على ركبي جمب السرير، زي ما قعدت يوم ما البوليس جه، بس المرة دي مكنتش راكع بطلب سماح.. كنت راكع وأنا بقدّم حياتي كلها ليها ولابننا.
”أنا لسه عند وعدي يا سارة.. مش هطلب منك ترجعيلي البيت قبل ما تكوني واثقة مية في المية إن الراجل اللي حبسك مات، وإن اللي واقف قدامك دلوقتي هو الراجل اللي هيشيلك أنتِ وابنك فوق راسه العمر كله.”
سارة بصتلي نظرة طويلة، نظرة دافية مكنتش شفتها من سنين. مدت إيدها التانية الفاضية وحطتها فوق إيدي.
”أبوك حكالي كل حاجة يا أندرو.. حكالي إنك مسبتهوش ثانية، وإنك بقيت بتخاف على زعله أكتر من نفسك.. والبيبي الصغير ده، ملوش ذنب يعيش بعيد عن أبوه اللي فاق وصّلح غلطه.”
دموعي نزلت على إيدها، وبستها وأنا مش مصدق إن ربنا رحمني للدرجة دي.
المخزن القديم اتهد، والبيت الملعون اتبالع في وسط النسيان، والنهارده.. وأنا بخرج من المستشفى وسارة ساندة على دراعي وإيدي التانية شايلة ابني، وأبويا ماشي جمبنا وال شمس مغرقانا.. عرفت إن الحكاية مخلصتش بالخراب.. الحكاية بدأت بجد، يوم ما اتعلمت أكون راجل حر بحمي بيتي بقلبي، مش بالحيطان والأقفال.


