حبست مراتي في المخزن حكايات صافي هاني

الضوء بتاع ربنا كان لسه بيشقشق بره، طالع من باب المخزن المفتوح. خرجت للصالة وأنا بنهج.. لقيت سارة لسه بتفتح باب البيت الكبير، وأبويا ساند عليها.
”سارة!” ندهت بأعلى صوت عندي.
وقفت بس مألتفتتش.
جريت وقفت قدامها، نزلت على ركبي في الأرض قدامها وقدام أبويا. دموغي نزلت لأول مرة من سنين. مسكت رجليها: “أنا عارف إني مستاهلش نظرة منك.. وعارف إن اللي عملته ميتغفرش. بس ابوس إيدك.. متسبينيش للمستنقع ده. أنا هبلغ البوليس بنفسي عن أمي، وأنا اللي هقف قدام المحكمة أشهد عليها.. بس متحرمنيش من ابننا.. متخليهوش يطلع يكره اسمي.”
سارةبصتلي تانيبنظرة طويلة.. الوجع اللي في عينيها كان بيهد جبال. سكتت لثواني كأنها دهر، وبعدين قالت بنبرة هادية بس ناشفة زي الحجر:
”البوليس زمانه على وصول، أنا كلمتهم وأنا جوه من تليفون أبوك القديم اللي كان شغال بالخط الأرضي السري.. الحساب لسه هيبدأ يا أندرو. لو عايز تكفر عن ذنبك بجد.. اقف ومتهربش، وخد حق أبوك من أمك.”
وقفت وأنا بمسح دموعي، وبصيت لأبويا اللي كان بيبتسم بوجع.
في اللحظة دي، صوت سرينات عربيات البوليس بدأ يظهر من بعيد.. بيقرب ويسد عين الشمس.. صوته كان بيعلن نهاية تلاتين سنة من الضلمة، وبداية الحساب.
صوت السرينات بره بقى يزعق ويهز حيطان البيت كله. الفلاشات الحمرا والزرقا بدأت تنور وتطفي على واجهة البيت من بره من ورا الستائر.
سارة سابت إيد أبويا بالراحة، وبصتلي النظرة الأخيرة.. نظرة واحدة خلتني أحس إنها شلعت قلبي من مكانه. فتحت الباب وخرجت وقفت في الجنينة مستنية البوليس، وكأنها أخيراً بتتنفس هوا نضيف بعد كابوس طويل.
أبويا قعد على أقرب كرسي في الصالة، جسمه كان بيترعش من الخوف والرهبة.. تلاتين سنة مشافش فيهم الشمس، تلاتين سنة نسي فيهم شكل الدنيا بره المخزن ده. قربت منه، قعدت تحت رجليه ومسكت إيده اللي كانت ناشفة ومقشرة زي حطب شجر عجوز.
”سامحني يا بابا.. سامحني إني عشت العمر ده كله متهني بفلوس وبيت أنت مدفون تحتهم.” صوتي كان بيطلع بالعافية.
بصلي وعينيه غرقانة دموع، وطبطب على راسي بإيد بتترعش: “المهم إنك فقت يا أندرو.. المهم إن السلسلة دي انقطعت عندك ومكملتش في ابنك.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل تلاتة من ظباط البوليس ومعاهم عساكر، وسارة كانت واقفة وراهم بره. الظابط بص في الصالة ولقى أبويا بمنظره ده، وبصلي وأنا راكع تحت رجليه.
”أندرو كاثرين؟” الظابط سأل بنبرة حازمة.
وقفت على رجلي، وبلعت ريقي اللي كان زي المرار: “أيوه يا فندم.. أنا أندرو. والراجل ده يبقى أبويا، اللي كان المفروض إنه مات من تلاتين سنة.. أمي حبساه تحت البيت طول السنين دي.”
الظابط وشه اتقلب وبص للعساكر: “فتشوا المكان!”
وفجأة، سمعنا صوت صريخ جاي من الممر.. صوت أمي وهي بتنهج وتزعق. العساكر دخلوا وجروها لبره. مكانتش قادرة تمشي، شعرها كان منكوش، والوجاهة والملك اللي عاشت بيهم طول عمرها اتمسحوا في ثانية. أول ما شافتني وأنا واقف جمب أبويا، تفّت في الأرض وصرخت فيا: “يا خسارة تربيتي فيك! بعت أمك عشان حتة عيلة جربوعة وراجل ميت؟! أنت مش ابني!”


