كسرة طفل حكايات صافي هاني

الدعوة وصلت يوم الخميس، الساعة أربعة العصر، محشورة بين وصل المايه وبروشور عروض السوبر ماركت. مغلف تقيل وفخم، مكتوب عليه بالدهبي البارز، نوع من المظاهر والمنظرة اللي “أحمد” عمره ما كان بيهتم بيها ولا بتفرق معاه، لحد ما لقى واحدة جديدة وعاوز يبهرها.
”أحمد” كان بيتجوز تاني.
طليقي اللي خانني مع “مروة” زميلته في الشغل، ولم هدومه ومشي وأنا لسه بطبق غسيله، وسابني لوحدي أشرح لابننا اللي عنده عشر سنين ليه أبوه فجأة “محتاج يقعد مع نفسه شوية”.
وبعدها دخلنا في مسلسل النفقة اللي بتتأخر، والمواعيد اللي بيكبر دماغه عنها، والكراسي الفاضية في حفلات المدرسة، والرسائل اللي بيبعتها وكأنها إنذارات محامي مش كلام أب لابنه.
الناس اللي بتمشي وتخرب البيوت عمرهم ما بيعترفوا باللي دمروه، بيسموا الندالة “راحة بال”، وبيسموا الأنانية “تطوير ذات”، وبعدين يطلعوا الست اللي بتلم وراهم وبتشيل الشيلة هي اللي “نكَدية ومبتنساش”.
بعد ست شهور من الطلاق، “أحمد” بعتلنا دعوة فرحه في قاعة فخمة على النيل.
مش ليا لوحدي..
لـ “سيف” كمان.
ضحكت أول ما شفت الدعوة، بس ضحكة مفيهاش أي فرحة. رميتها على الرخامة في المطبخ وقلت هرميها في الزبالة بعد العشا.
”سيف” شافها وهو بيجيب علبة الكورن فليكس.
بصلي وسألني بصوت حذر، حذر زيادة عن اللزوم على طفل عنده عشر سنين: “هو احنا بجد معزومين؟”
قلت له آه. فضل باصص للكلام الدهبي اللي على المغلف وقت طويل.
وبعدين قال: “أنا عايز أروح”.
كنت هرفض، كنت هقوله إنه اتوجع كفاية، وإني مش هسمح لـ “أحمد” يخليه يحس إنه صغير قدام ناس غريبة تاني.
بس سألته: “ليه يا سيف؟”
هز كتفه وهو لسه باصص للدعوة وقال: “عايز أشوفه هيكون عامل ازاي وإحنا هناك”.
صعب جداً لما تحس إن ابنك بيتصرف كأنه بيجمع أدلة على أبوه.
الفرح كان واخد لقطة الفشخرة الكدابة اللي “أحمد” كان بيتريق عليها زمان قبل ما يبقى معاه فلوس يعملها. ورد أبيض، شوك وسكاكين بتلمع، فرقة موسيقى كلاسيك، والمعازيم بيتبسموا وكأن في كاميرا متوجهة عليهم طول الوقت.
”مروة” كانت طالعة زي الفستان الأبيض اللي لابساه, حاطة إيدها في إيد “أحمد” وكأنها كسبت جايزة غالية وندرة. و”أحمد” كان باين عليه الفرحة بشكل مشفتوش بيه من سنين—أو يمكن كان فرحان بنظرات الإعجاب اللي حواليه.
”سيف” كان واقف جنبي بالبدلة الكحلي اللي جيبتهاله من التخفيضات. شعره كان متسرح لورا، رغم إنه دايماً بيتكعبل. مشتكيش، ومطلبش حاجة يشربها.
كان بيبص وبس.
في البوفيه، قعدونا في ترابيزة ورا خالص مع قرايب من بعيد وزمايل شغل عارفيني كويس، بس فجأة بقوا مهتمين جداً بالأطباق اللي قدامهم ومحدش بيبصلي. فضلت ضاغطة على المنديل في حجري وبفكر نفسي أتنفس بهدوء. “سيف” كان بيقطع الفراخ في طبقه لقطع صغيرة جداً.
وبعدين بدأت فقرة الكلمة.



