حكايات روماني

## الجزء السابع: رقصة الحيتان

ساد صمت رهيب في الشارع الضيق بالشرابية. كلمات المحامي الأنيق هبطت كالمقصلة، متبخرةً معها كل نشوة انتصار حققتها مريم قبل دقائق. نظرت إلى الأوراق الرسمية التي أخرجها الرجل من حقيبته الجلدية الفاخرة؛ كانت تحمل أختاماً دولية ومحلية موثقة بنقل مديونية المخازن والأرض بالكامل لصالح شركة “سليم القابضة”.

وجدي سليم لم يعد مجرد شبح هارب تبحث عنه الشرطة، بل تحول بقوة المال إلى “الدائن الشرعي” الذي يملك رقبتها ورقبة ورث والدها.

مريم، محاولةً الحفاظ على ثباتها وجبروتها أمام نظرات المحامي المستخفة: “والدكتور وجدي بتاعك ده ساب أوروبا ورجع عشان يشتري مديونية مخازن في شبرا؟ مكنتش أعرف إننا شاغلين بال الحيتان أوي كده!”

المحامي بابتسامة باردة: “الحيتان مابتتحركش غير لما تشم ريحة دم يا بشمهندسة. موكلي ميهمهوش المخازن كجدران.. موكلي يهمه الأرض اللي مبني عليها المخازن. المشروع الجديد للمحور المروري اللي الدولة بتبنيه هيمر من الأرض دي بالظبط، ونزع الملكية للمنفعة العامة هيعوض صاحب الأرض بعشرات الملايين.. الدكتور وجدي اشترى المديونية بـ 7 مليون، بس هيقبض من وراها ثروة.. ده بيزنس، مفيش فيه عواطف.”

التفت المحامي ليركب سيارته الفخمة، وقبل أن يغلق الباب قال: “قدامك 48 ساعة يا بشمهندسة.. يا تدفعي الـ 7 مليون كاش وتاخدي مخازنك، يا الاستلام الجبري للأرض والمخازن هيبدأ الأسبوع الجاي.. فكري كويس.”

انطلقت السيارة تاركة خلفها غباراً كثيفاً وخوفاً ينهش في صدر مريم. التفتت إلى الأستاذ عاصم الذي كان مذهولاً بدوره.

عاصم بنبرة يائسة: “الحركة دي قانونية 100% يا مريم.. حوت زي وجدي سليم معاه جيش محامين، وعرف يقتنص الفرصة لما عرف إنك سدّدتي الجزء الأكبر من الفلوس وجمدتي الحساب. هو كمل الباقي واشترى المديونية عشان يلتهم الأرض. إحنا في مأزق حقيقي.. شقة الشرابية وممتلكات ميرفت لو اتبعوا في المزاد مش هيجيبوا 3 مليون جنيه في الوقت الحالي!”

مريم وعيناها تلمعان بشرر التحدي: “مش مريم عبد الحق اللي تترمي في الشارع بعد كل اللي عملته يا متر. وجدي سليم فاكر إنه اشترى الأرض.. بس هو نسى إنه اشترى ‘قنبلة موقوتة’.”

في تلك الليلة، عادت مريم إلى المستشفى للاطمئنان على والدتها. كانت الست أم أحمد قد استعادت وعيها بالكامل، وجلست على السرير تسند ظهرها. عندما رأت مريم والهموم تبدو على وجهها رغم محاولتها الابتسام، مسكت يدها وحضنتها.

أم أحمد بحنان: “مريم.. يا بنتي أنا شفت الشقا في عينيكي من صغرك. شريف وراحت غمتُه، والفلوس تروح وتيجي.. بس صحتك وعقلك بالدنيا. متحمّليش نفسك فوق طاقتها يا حبيبتي.”

مريم وهي تقبل يد والدتها: “الحق مش هيروح يا أمي. أنا مش بحارب عشان فلوس.. أنا بحارب عشان اسم أبويا اللي شرفنا وعيشنا مستورين، وعشان دموعك اللي نزلت على الأرض. نامي وارتاحي.. وبكره الشباك ده كله هيتفك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *