حكايات روماني
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل لما مريم وصلت بيت أمها في “شبرا”. الشوارع الضيقة كانت هادية، وصوت كلاب ال,سكك بينبح من بعيد. طلعت السلم وهي ساندة على الحيطة المقشرة، دموعها جفت بس قلبها كان قايد نار. فتحت الباب بالمفتاح القدي,م بتاعها.,
الست “أم أحمد” كانت قاعدة على الكنبة الإستوديو، لافة شال صوف على كتافها وبتقرأ في كتاب صغير تحت ضوء لمبة سهاري ضيفة. أول ما شافت مريم، قلبت نظارتها وقامت مخضوضة: “مريم؟ خير يا بنتي؟ إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ وشريف فين؟”
مريم رمت نفسها في حضن أمها. الحضن الدافي اللي ريحته بخور ومية ورد، الحضن اللي كانت بتهرب ليه وهي عيلة صغيرة لما المذاكرة تصعب عليها. مريم اتنهدت بصوت عالي: “تعبانة يا ماما.. تعبانة أوي.”
الست أم أحمد طبطبت عليها، وعينها الخبيرة لقطت الحمار اللي على خد بنتها. ملامح الست العجوزة اتغيرت، وظهرت, فيها قساوة الزمن وشقا السنين: “ضربك؟ عشان الفلوس يا مريم؟ مش أنا قولتلك يا بنتي بلاش؟ قولتلك الراجل طالما عرف إن مراته بتشيل أهلها من وراه، الش,يطان بيلعب في دماغه ويقول دي بتسر,قني.”
## الجزء الثالث:
اندفع شريف نحو مريم كالثور الهائج، وقد أعماه الغضب والخراب الذي حلّ ببيته وكبريائه في لحظات. لكن محامي مريم والحارس الذي كان يرافقهما تحركا بسرعة؛ وبحركة خاطفة، وقف الحارس الضخم حائلاً بين شريف ومريم، ليرتطم شريف بصدره الصلب ويتراجع خطوتين للخلف وهو ينهج بغل.
المحامي بنبرة صارمة وهو يشير بإصبعه: “أظن الأستاذ مش عايز يضيف لقضية الخلع والتبديد قضية (شروع في قتل واعتداء بدني) قدام شهود ورجال قانون.. لم نفسك يا شريف بيه، الحكاية مبقتش حكاية فيزا وجدول مرتبات، الحكاية بقت سجن!”
أم شريف صرخت وهي تلطم خديها بصوت مسموع: “يا مصيبتي السودا! سجن إيه وأرض إيه؟ يا حامد اتكلم! قولهم البت دي بتتبلى علينا! قولهم إنك مشافتش من أبوها مليم!”
لكن الحاج حامد كان في عالم آخر؛ انكمش على الكرسي وجسده النحيل يرتعش، ودموعه تسيل على لحيته البيضاء وهو ينظر للأوراق الملقاة على الطاولة. قال بصوت متقطع يملأه الندم: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا مريم. أنا أكلت حرام.. الشيطان شاطر وأمك كانت غلبانة وعنيها عميت لما شوفت الفلوس والمخازن بتجيب ألوفات.. ربنا منتقمش مني في صحتي، لكن انتقم مني في ابني وخرب بيته بسببي.”
شريف نظر لوالده وكأن صاع,قة ض,ربته؛ الرجل الذي كان يتباهى بأنه “الراجل الملزم, بأهله” وأن أهله أصحاب فضل وأصل، يكتشف الآن أن لحم أكتافه وأكتاف عائلته من مال اليتيمة التي ضربها بالأمس بتهمة أنها “تسرق,ه”.
مريم وقفت عند الباب، نظرت لشريف بنظرة احتقار أخيرة جعلته يشعر بالقزمية: “القانون هياخد مجراه يا شريف. والمخازن دي هحط إيدي عليها رسمي الأسبوع الجاي.. والبيت ده، لو مدفعتوش تمن الإيجار بأثر رجعي عن السنين اللي فاتت، هطردكم منه بالشرطة.. زي ما كنت عايز تطردني وتجرجرني لطاعتك.”,


