حكايات روماني
التفتت مريم وخرجت، تاركة خلفها بيتاً يشتعل بالصراخ والاتهامات؛ أم شريف تسب زوجها وتلطم، وشريف جالس على ركبتيه في الأرض يرى حصون قوته المزيفة تتهاوى واحداً تلو الآخر.
مرت ثلاثة أيام.. وفي مكتب الست “أم أحمد” الصغير في حي شبرا، كانت مريم تجلس وعلى وجهها ملامح إرهاق شديد لكنه ممزوج براحة الانتصار. الباب دق، ودخل الأستاذ عاصم الهواري المحامي الكبير وهو يبتسم.
المحامي: “مبروك يا بشمهندسة، الحجز التحفظي صدر على المخازن، ومحامي شريف اتصل بيا ا,لصبح صوته يرعش، وطالب تسوية ودية.. مستعدين يتنازلوا عن كل حاجة ويطلقوا على الإبراء مقابل إننا مانرفعش جنحة تبديد وتبديد أموال قُصّر ضد والده.”
مريم التفتت لأمها: “إيه رأيك يا ماما؟”
الست أم أحمد هزت رأسها بحكمة: “الصلح خير يا بنتي لو رجع الحق.. إحنا مش بتوع محاكم، وإحنا ولاد أصول ومش عايزين نرمي راجل عجوز في السجن مهما عمل.. بس حق أبوكي يرجع كامل مكمل، وشريف يطلقك في الهدوء ومن غير شوشرة.”
مريم أخذت نفساً عميقاً: “تمام يا أستاذ عاصم، الطلاق يتم الأول، والمخازن ترجع باسمي واسم ماما، والشقة اللي دافعة نصها يشتري نصي منها كاش، أو تتباع وناخد الفلوس.”
في نهاية الأسبوع، كان اللقاء في مكتب المحامي لإتمام التسوية والطلاق.
دخل شريف، لكنه لم يكن شريف القديم؛ وجهه كان شاحباً، وعيناه مكسورتين، يرتدي ملابس عادية وبدت عليه علامات الهزيمة. نظر لمريم التي كانت تجلس كالملكة في كامل أناقتها وثقتها، وبجوارها والدتها الست أم أحمد بصورتها المهيبة.
وقع شريف على أوراق الطلاق ببدل الإبراء، ويداه ترتعشان. بعد أن انتهى، رفع عينه ونظر لمريم وقال بصوت منكسر ومملوء بالندم: “أنا خسرت كل حاجة يا مريم.. خسرت الشغل بسبب الشكوى اللي اتقدمت فيا، وخسرت المخازن، وأبويا بيموت من تعب قلبه.. أنتِ كده ارتحتي؟”
مريم نظرت إليه دون أي شفقة، وقالت بنبرة حاسمة كالسيف: “أنت مخسرتش بسببي يا شريف.. أنت خسرت بسبب طمعك، وبسبب القلم اللي نزل على وشي وأنت فاكر إن مفيش ورايا رجالة ولا ضهر.. الست اللي شقيت وتعبت وعملت نفسها، ضهرها هو تعبها وعقلها.”
قامت مريم وأخذت حقيبتها، وأخرجت رزمة من الأموال من فئة المائة جنيه، ووضعتها أمام شريف على المكتب.
شريف باستغراب: “إيه ده؟”
مريم بابتسامة ثقة: “دي الشهرية بتاعت ماما.. أنا هروح أديهالها بنفسي دلوقتي عشان تجيب اللي نفسها فيه.. ومن فلوسي ومن تمن مخازن أبويا.. عشان تعرف بس إن مفيش جنيه بيقف في الدنيا طالما صاحبه وراه.”
أخذت مريم ذراع والدتها وخرجتا من المكتب وعيونهما تتطلعان للمستقبل بكبرياء، بينما بقي شريف جالساً وحده ينظر إلى رزمة المال بنظرة مذهولة.
لكن، بينما كانت مريم تخطو خارج مبنى المحاماة متوجهة بسيارتها الجديدة نحو شركتها، رن هاتفها المحمول من رقم مجهول.


