حكايات روماني

صرخت مريم صرخة مكتومة هزت حيطان البيت، ألقت بالهاتف من يدها دون أن تنتظر سماع بقية هوس شريف، وارتمت على الأرض بجوار والدتها. كانت الست أم أحمد تتنفس بأنفاس ثقيلة ومتقطعة، ووجهها شاحب كالملح.

مريم بدموع تنهمر وصوت يرتجف: “ماما! ردي عليا يا حبيبتي.. أنا مريم! يا رب اقف معايا.. يا رب ملناش غيرك!”

بمساعدة جيران الشارع الذين تجمعوا على صراخ مريم، نُقلت الست أم أحمد بسيارة إسعاف إلى المستشفى القريب. في الممر الطويل، كانت مريم تذرع الأرض ذهاباً وإياباً، يداها ترتعشان وعقلها يغلي. خرج الطبيب من غرفة الطوارئ وهو يخلع كمامته، فاندفعت نحوه: “طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إنها كويسة!”

الطبيب تنهد بأسى: “الوالدة تعرضت لج,لطة خفيفة بسبب ضغط ع’صبي مفاجئ وصدمة شديدة. الحمد لله لحقناها في الوقت المناسب والجلطة بدأت تدوب، بس هي محتجاة راحة تامة ومفيش أي انف’عال.. وإلا ا’لعواقب’ هتبقى وخيمة.”

دخلت مريم لغرفة والدتها ببطء. نظرت إلى الست العجوزة الممددة على السرير، الموصلة بالأجهزة، فامتلأ قلبها بغضب لا يمكن لكونٍ أن يحتويه. انحنت وقبّلت يد أمها وهمست بعينين تقدحان شراراً: “وحياة كس’رة قلبك دي يا أمي، وحياة الشقا اللي شفتيه.. لأخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه. شريف انتهى خلاص.”

خرجت مريم إلى ممر المستشفى، وأخرجت هاتفها واتصلت بالأستاذ ع’اصم الهواري. حكت له ما حدث بن’ة حاد’ة، بارد’ة، ومخ’يفة؛ نبرة امرأة لم يعد لديها ما تخسره.

الأستاذ عاصم بغضب: “الندل استغل إنك مش في البيت واقتحم الشقة! دي بقت قض’ية س’رقة بالإكراه، وانتهاك حرةمة مسكن، والاعتد’اء اللي تسبب في جلطة للوالدة. بس قانونياً يا بشمهند’سة، وجود العقود الأصلية في إيده’ هتع’طلنا في قض’ية الريع واسترداد المخازن، لأنه ’ممكن يبتزنا بيهم أو يقطعهم.”’

مريم بابتسامة مخيفة غابت عنها أي رحمة: “مش هيقدر يقطعهم يا متر.. شريف غبي، والغب’ي دايماً بيف’ضح نفسه. هو فاكر إن الورق الأصلي هو كل حاجة، ونسي إننا عايشين في عصر ال’يجيتال.”

الأستاذ عاصم باستغراب: “تقصدي إيه؟”

مريم: “أنا مهندسة تكنولوجيا ومعلومات يا فندم. من يوم ما استلمت العقود دي من أمي، أول حاجة عملتها إني رفعت نسخ ضوئية عالية الجودة (Scanned Copies) وموثقة إلكترونياً على سحابة البنك وعلى السيرفر الخاص بيا، وعملت لها (أصل رقمي بديل) في الشهر العقاري تمهيداً للقضية. يعني الأوراق اللي معاه دي مجرد حبر على ورق قديم لو ثبتنا سرقتها!”

تابعت مريم: “والأهم من ده كله.. شريف دخل الشقة إزاي؟ دخل بالمفتاح القديم بتاعه اللي من أيام الخطوبة ومغيرناهوش. والشارع في شبرا كله كاميرات ومحلات.. والكل شافه وهو داخل وهو خارج وفي إيده الشنطة. أنا هعمل محضر فوراً.”

في تلك الأثناء، في شقة الشرابية، كان شريف يجلس على السرير والشموع مبعثرة حوله، ممسكاً بالأوراق الأصلية وعيناه تلمعان بانتصار مجنون.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *