طمع الاهل حكايات صافي هاني

​وأنا شالة عوض وببص للناس حواليا، افتكرت اللحظة اللي كنت فيها مرمية على لوح الظهر في الطوارئ، والدم مغطي وشي وتليفوني بيرن. افتكرت إزاي كنت فاكرة إن دي النهاية.

​بصيت لعوض وبست راسه وهمست له: “عارف يا حبيبي؟ الحادثة دي مكنتش مصيبة.. دي كانت القلم اللي فوقني عشان أحميك وأحمي نفسي.”

​جدي قرب مني، وحط إيده على كتفي وقالي: “بتفكري في إيه يا قلب جدك؟”

​ابتسمت له وقلت: “بفكر في إن ربنا كريم أوي يا جدي.. أخد مني أم بالاسم، وعوضني بيك، وبابني، وبالحياة اللي عمري ما حلمت بيها.”

​جدي ضحك وقال: “والجاي أحسن كمان يا مريم.. يالا بينا نطفي الشمع.”

​وقفنا كلنا حوالين التورتة، وعوض بيضحك ويسقف بإيديه الصغيرة، ولما الشمع انطفى، حسيت إن آخر جزء من الماضي الضلمة اختفى مع الدخان. إحنا مش بس عيشنا بعد الحادثة.. إحنا أخيرًا بدأنا نعيش صح.

السنين بدت تجري ورا بعضها زي الثواني، وعوض كبر وبقى في المدرسة. مكنش مجرد طفل عادي، كان حتة من جدي في ذكائه، وحنيته، وحتى في طريقته وهو بيمسك إيدي ويقولي: “متخافيش يا ماما، أنا جنبك”. كل ما أشوفه بيكبر قدام عيني، كنت بحمد ربنا إن القناع وقع عن وش أمي في اليوم ده، عشان ابني يتولد في بيئة نضيفة، حقيقية، ومفيهاش زيف.

​جدي صحته بدأت تتقل مع الوقت، بس كان دايماً يقول إنه عاش زيادة عن عمره بمجرد إنه شافني مرتاحة وشاف عوض وهو بيكبر. وفي ليلة هادية، جدي اتوفى وهو نايم في سريره، وشه كان رايق ومبتسم.

​الصدمة كانت شديدة عليا، بس مكنتش مكسورة زي زمان. جدي سابلي ضهر جامد، وأملاك تأمني وتأمن ابنها لآخر العمر، والأهم من كل ده.. سابلي “النفس القوية” اللي بتعرف تواجه الدنيا.

​في العزا، وأنا واقفة أخد عزاء جدي، لمحتها واقفة من بعيد وسط الستات.

​أمي.

​كان باين عليها كبر السن، شعرها الأبيض بان، والزمن ساب علاماته على وشها اللي كان دايماً مشدود بعمليات التجميل. مكنتش قادرة تقرب مني، كانت باصة لي بعيون مليانة حزن وخوف.. خوف من إنها حتى متقدرش تعزي في أبوها.

​خطيت خطوات واسعة ناحيتها. الناس كلها سكتت وبصت علينا.

​وقفت قدامها، وبصيت في عينيها. لمحت دموعها وهي بتنزل، وقالت بصوت مرتعش: “البقاء لله يا مريم.. البركة فيكي”.

​هزيت راسي وقلت بهدوء: “الدوام لله يا ماما”.

​أمي اتفاجئت إني ردت بكلمة “ماما”.. عينيها لمعت بأمل كداب وقالت: “مريم.. أنا ميتة في اليوم مية مرة، لو محتاجة أي حاجة، لو عايزاني أجي أقعد معاكي.. أنا اتغيرت والله”.

​حطيت إيدي على كتفها براحة، وبصيت لها بكل نضج وقلت: “أنا مش زعلانة منك، وجدي الله يرحمه مات وهو مسمحك.. بس خلاص يا ماما، كل واحد فينا اختار طريقه والقطر فات. تقدري تيجي تزوري قبر جدي وقت ما تحبي، وتقدري تطمني عليا وعلى عوض بالتليفون من وقت للتاني.. بس حياتنا المقفولة، هتفضل مقفولة. أنتي أمي في البطاقة، وليكي احترامي، بس الأمان اللي جدي سابهولي مش هسمح لأي حد يهزه تاني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *