جوزها رماها في المحطه 3حكايات صافي هاني

الجزء السادس
طارق وقف مكانه مبرق، وجسمه كله بيترعش زي الورقة في وسط الريح. بص ناحية البوابات اللي بره، وصوت السرينات كان بيعلى ويكبس على المكان كأنه كابوس. الراجل اللي كان جايبه معاه عشان يهددني، مسكه من ياقة قميصه ووشه أحمر من الغل وزعق فيه: “أنت ضحكت عليا يا طارق؟ بعتلي أرض حكومة وخدت شقا عمري؟ ودين الله ما هسيبك!”
في اللحظة دي، دخل ضابط المباحث ومعاه تلاتة أمناء شرطة، عوض فتحلهم الباب ودخلوا بخطوات سريعة ومنتظمة. الضابط بص لطارق وقال بنبرة حازمة: “أنت طارق الشرباتي؟”
طارق حاول يتكلم، بس صوته هرب منه ومطلعش غير شهقة مكتومة وهو بيهز رأسه بـ اه.
الضابط طلع أمر الضبط والإحضار وقال: “مطلوب القبض عليك بتهمة النصب، وتزوير أوراق رسمية، وغسيل أموال بناءً على البلاغ المقدم من مكتب المستشار شاكر، وكمان بلاغات تانية من ضحايا جدد. كلبش يا ابني”.
أمناء الشرطة هجموا عليه، وفي ثانية كانت الكلبشات الحديد بتعض في إيده اللي كانت من كام أسبوع بتتمد عليا وبتسرقني. طارق بصلي بنظرة كلها ذل وانكسار، ودموعه نزلت وهو بيصرخ: “علا! عشان خاطر ربنا الحقيني! قوليلهم يتنازلوا.. أنا عملت كل ده عشانك وعشان نأمن مستقبلنا! متخربيش بيتي يا علا!”
وقفت مكاني، حاطة إيدي في وسطى، وبصيتله بمنتهى البرود والقرف، وقلتله: “بيتك اتخرب يوم ما نسيت ربنا ورميتني في الموقف عشان تكسرني يا طارق. أنت كنت فاكر إن مفيش حد هيحاسبك.. بس المحاكمة بدأت، ودي أول الجلسات”.
الشرطة سحبته بره وهو بيجر رجليه وبيتلوى ويصرخ باسمي، وصوته بدأ يختفي بالتدريج مع صوت السرينات اللي مشيت وبعدت عن القصر. المكان رجعله الهدوء تاني، بس المرة دي كان هدوء مريح، هدوء النصر.
خديجة هانم قامت من مكانها، وسندت على عصايتها وقربت مني، وحطت إيدها على كتفي وطبطبت عليا وقالت بابتسامة دافية: “العدل مبيقفلش بابه يا علا.. ودلوقتي بس، تقدري تقولي إنك أخدتي حقك تالت ومتلت”.
تنَفست براحة وحسيت بوزن جبل انزاح من فوق صدري.
الجزء السابع والاخير
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كاملة حياتي اتغيرت فيها 180 درجة. طارق أخد حكم مشدد بالسجن سبع سنين بتهم النصب والتزوير وغسيل الأموال، وشقتي رجعتلي بالكامل بعد ما المحكمة ألغت كل العقود المزورة اللي كان عاملها من ورايا.
أنا مبقتش علا المكسورة الخوافة بتاعة زمان؛ خديجة هانم صممت إني أدير قسم العلاقات العامة والإعلام في مجموعة شركات الشربيني بعد ما رجعت لنشاطها وقوتها في السوق. درست، واشتغلت على نفسي، وبقى ليا اسم وكيان وصوت مسموع في كل مكان. وأمي الحمد لله خفت وبقت عايشة معايا في الشقة معززة مكرمة.
في يوم، كنت واقفة في حفلة افتتاح فرع جديد للشركة، لابسة بدلة بيزنس شيك جداً، والناس كلها بتسلم عليا وبتهنيني على النجاح اللي حققته. وسط الزحمة، شفت خديجة هانم قاعدة على كرسي في الصدارة، ولابسة نظارتها السودا المعتادة وبتبتسم وهي سامعة اسمي بيتكرر بنجاح.
قربت منها، وقعدت على ركبي قدامها ومسكت إيدها المبروكة وقلت بحب: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا طنط.. أنتِ مش بس أنقذتيني من الشارع، أنتِ خلقتي مني بني آدمة جديدة”.
خديجة هانم ضحكت ضحكتها المليانة وقار وثقة، ومالت عليا وهمستلي بنفس النبرة اللي همستلي بيها أول مرة في موقف الأتوبيس: “أنا مخلقتش فيكي حاجة جديدة يا علا.. أنا بس قشرت التراب اللي الندل ده كان راميه على دهبِك عشان يخفيه.. ارفعي راسك يا بنتي، أنتِ من النهاردة مش محتاجة حد يحميكي، أنتِ بقيتي الضهر والسند لنفسك ولغيرك”.
بصيت لروحي في مراية القاعة، وشفت ست قوية، عينيها بتلمع بالتحدي والأمل، وعرفت ساعتها إن الوجع اللي مبيق/تلكش.. بيصنع منك شخص مستحيل حد يقدر يكسره تاني.


