طمع الاهل حكايات صافي هاني
“حولي الـ 4200 دولار دلوقتي حالا”، أمي زعقت في التليفون وهي قاعدة في الكوافير، في نفس الوقت اللي كنت فيه أنا متثبتة على لوح الظهر الطبي بعد حادثة عربية مرعبة. مسألتش حتى لو كنت عايشة ولا ميتة، كل اللي كان فارق معاها تذكرتها الـ (فرست كلاس). بس أنا لغيت صلاحية دخولها لحسابي البنكي قبل ما مفعول المورفين يشتغل. بعد 40 دقيقة، كارت الفيزا بتاعها اترفض… ولقيتها داخلة عليا أوضة المستشفى ومعاها محامي، متعرفش إنها هتلاقي جدي واقف ومسك في إيده ورقة واحدة هتشقلب كل حاجة….
لما أمي كلمتني، كنت لسه متثبتة على لوح الظهر.
الدنيا فوقي كانت مغلوشة.. إضاءة الفلورسنت وبلاط السقف بيتحركوا ورا بعض، وكل بلاطة بتتهز في عيني وأنا على السرير المتحرك والترولي بيترج في الطرقة. كنت بسمع طراطيش كلام.. ممرضات بيزعقوا بأرقام، تزييق الجزم على الأرض، وصوت صفارة جهاز من بعيد.. بس كل ده كان واصلني كأني جوه نفق طويل.
صدي كان بيولع نار كل ما أحاول أخد نفسي. كان فيه وجع سخن ومكتوم طالع من ضلوعي، وشكة كهربا قوية في كتفي الشمال. كنت حاسة بطعم دم في حلقة، وشعري كان ملزق بالدم من ناحية واحدة. رجلي كانت منملة تنميل خلى قلبي يقف من الرعب، لحد ما غصبت نفسي أحرك صوابع رجلي.
اتحركوا.
أنا عايشة. مكسرة، بس عايشة.
في حد من المسعفين غطى رجلي ببطانية مطبقة وإحنا بنعدي من الباب المزدوج. قالتلي بصوت دافي وثابت: “أنتي زي الفل يا مريم، إحنا معاكي، وصلنا مستشفى المنيرة وهنخد بالنا ديكي”.
كان اسمها سارة. عرفت ده لأنها قالت اسمها مرتين، ودي الطريقة اللي متدربين عليها عشان يهدوا المصابين بصدمة: كرري اسمك، وكرري المكان اللي هما فيه، عشان يفضلوا واعيين. حاولت أركز في ده، في وشها اللي مايل عليا، النمش، شعرها الأشقر الغامق الملموم كعكة منكوشة، وعينيها الزرقا وهي بتابع علاماتي الحيوية.
بس عقلي ساب الوجع والخوف كله، وركز في فكرة واحدة واضحة وصادمة.
ابني.
إيدي اتحركت غصب عني وبشكل تلقائي عشان تلمس بطني، بس الأحزمة كانت مثبتاني. الرعب خنقني فجأة وبسرعة.
اتكلمت بصوت مبحوح وصعب: “البيبي..”، الكلام كان بيوجع، كان فيه حد بيضربني بقبضة إيده بين ضلوعي كل ما أحاول أطلع هوا.
سارة قالت بسرعة وهي بتمسك إيدي بجوانتيها: “عارفين، هنعملك سونار أول ما حالتك تستقر. حاولي تثبتي عشاني، ماشي؟”
حاولت. حاولت بجد.
بس فجأة تليفوني رن.
الصوت قطع كل الدوشة اللي حواليا، رنة رفيعة وزنّانة جاية من جنب راسي. كان غريب إني لسه فاكرة الرنة دي (رنة عادية كنت بطلت أركز فيها من سنين من كتر ما بترن)، بس عرفتها، ومع معرفتي ليها جالي إحساس بالرعب.
سارة بصت على الشاشة وهي محطوطة على صينية جنب راسي وسألتني: “تحبي أرد بدالك؟ المكتوب.. ماما”.
طبعاً هي.
فكرت ببلادة: لو كنت مت في الحادثة كانوا هيكلموها برضه، دي رقم الطوارئ. اسمها لسه مكتوب في خانة “الأم” في كل استمارة ملوتها من لما كان عندي 16 سنة. المفروض الأمهات يكونوا هما الشخص اللي بنكلمه لما الدنيا تبوظ.



