طمع الاهل حكايات صافي هاني

​إلا أمي، هي مش بتستنى الدنيا تبوظ؛ هي اللي بتخلق المصيبة وبعدين تخليني أدفع تمن تصليحها.

​قلت بصوت متحشرج: “افتحي الاسبيكر”.

​سارة ترددت: “أنتي متأكدة؟”

​همست: “آه، متأكدة”. صدري كان كأنه مليان زجاج مكسر.

​فتحت الخط، وشغلت الاسبيكر، وقربت التليفون من وشي.

​انفجر صوت دوشة في الأوضة: سشوارات، رغي ستات، وأغنية بوب شغالة في الخلفية. وبعدين جه صوت أمي، حاد ومش طايق نفسه، وقطع كل الدوشة دي.

​زعقت من غير أي مقدمات: “مريم، بلاش دراما، لو تعبانة ومش قادرة تتحركي، حولي الـ 4200 دولار دلوقتي حالا. مش هينفع كارتي يترفض وأنا في الفرست كلاس”.

​دي كانت أول كلمات أمي تقولها ليا وأنا مرمية على سرير الطوارئ بتلات ضلوع مكسورة والدم بيسيل على لوح الظهر.

​مسألتش لو كنت كويسة.

​مسألتش عن البيبي.

​مسألتش حتى إيه اللي حصل.

​كل اللي عملته إنها نفخت بزهق.. النفخة الطويلة الطالعة من قلبها اللي بتعملها لما الويتر يتأخر أكتر من تلاتين ثانية عشان يجيبلها عصير، وقالت كأنها بتفكرني أجيب الهدوم من المغسلة: “معاد الدفع بتاعك النهاردة. أنا قلتلهم يشيلوا شنطي، والطيارة هتطلع كمان ساعة. فممكن من غير بروباجندا؟ حولي الفلوس وبس”.

​عيني سارة وسعت من الصدمة. بصتلي، وبعدين بصت للتليفون، وشفايفها اتضمت بخط رفيع من الغيظ.

​أنا فضلت باصة لبلاط السقف في الطوارئ، كنت بعد الدبان الميت اللي جوه غطا اللمبة الفلورسنت عشان لو ركزت في أي حاجة تانية هصرخ. جهاز ضربات القلب جنب راسي كان بيصفر بانتظام وبرود.

​أمي زعقت: “مريم؟ أنتي سامعاني؟ مش هينفع كارتي يترفض في الفرست كلاس”.

​بلعت ريقي، وحسيت بطعم معدن في بوقي، وزوري كان مجروح. قلت وكل كلمة بتطلع كأنها بتجرح في حنجرتي: “أنا في الطوارئ.. عملت حادثة عربية.. وبيطمنوا على البيبي.. أنا…”.

​قاطعتني ونفخت بقلة صبر، النفخة الشهيرة بتاعت “ماجدة” اللي معناها (أنتي بتعطليني): “أوه، عشان خاطر ربنا! لو كنتي ميتي كان حد تاني رد عليا، صح؟ حولي الفلوس قبل ما يدخلوكي تعملي أي زفت بتعملوه. ميعادي كمان عشرين دقيقة؛ مش هعرف أأجله يا مريم. أنتي عارفة حجز يوم كامل في كوافير فالنتينا بالصعوبة دي إزاي؟”

​حسيت بحاجة سخنة بتغلي ورا عيني.

​إيد سارة ضغطت على إيدي أكتر. حسيت بصباعها الإبهام بيلف في دوائر صغيرة على كف إيدي كأنها بتحاول تثبتني في الأرض. فكها اتشنج، ولفت وشها الناحية التانية عشان مش عايزاني أشوف علامات الغضب اللي على وشها.

​أمي فضلت تتكلم. جابت سيرة شنطها مرتين كمان، واسم الكوافير تلات مرات، وفكرة إن الستيرست مش بتقبل غير كارت الفيزا بتاعها.

​مجبتش سيرتي أنا ولا مرة.

​ولا إصاباتي. ولا ابني. ولا حتى لو المسعفين قالوا إني هكون كويسة.

​كل اللي فارق معاها الـ 4200 دولار. المبلغ اللي بتعتبره مرتبها الشهري عشان قامت بدور أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *