طمع الاهل حكايات صافي هاني
”وإلا إيه يا متر؟”
الصوت ده مكنش صوتي. ده كان صوت جاي من وراهم، من عند الباب.
أمي لفت بسرعة، وملامحها اتخضت. جدي كان واقف عند الباب، لابس جلبابه الأبيض الهيب والوقار مالي وشه، وفي إيده ملف جلد أسود صغير. جدي اللي قاطع أمي من سنين بسبب طمعها وأسلوب حياتها، جدي اللي بيملك كل الأراضي والبيوت اللي أمي عايشة في خيرها.
جدي دخل الأوضة وعينه عليا، وبصلي بنظرة كلها حنية وطبطبة، وبعدين بص لأمي والمحامي بتاعها، وعلامات القرف واضحة على وشه.
المحامي اتهز ورجع خطوة ورا: “الحاج عوض.. أهلاً يا فندم، أنا بس…”
جدي رفع إيده وسكته من غير ولا كلمة. بص لأمي وقال بصوت هادي بس يزلزل: “بقى جاية المستشفى لبنتك اللي لسه طالعة من الحادثة بتموت عشان الفلوس؟ وجايبة محامي يهددها في وسط تعبها؟”
أمي حاولت تتماسك وقالت بلجلجة: “يا بابا دي فلوسي، ودي بنتي وأنا بربيها..”
جدي طلع ورقة واحدة من الملف وقفل بيها الكلام. حطها قدام وش المحامي وقال: “دي ورقة تنازل رسمي وموثق من مريم عن أي ميراث أو حق ليكي عندها، وقصادها، ده قرار حرمان ليكي أنتي من كل أملاكي وأراضي العيلة، وكل قرش كنتِ بتاخديه من ورايا هيقف من الدقيقة دي. البيوت اللي باسمي وساكنة فيها هتتفضي، والعربيات هتتسحب.”
المحامي بص في الورقة، وشه جاب ألوان، وبص لأمي وقالها: “يا مدام.. الموقف كده اتغير تماماً، الحاج عوض لغى كل التسهيلات والتوكيلات القانونية اللي تخصك.”
أمي صرخت: “أنت بتعمل فيا كده عشان دي؟ بتبيع بنتك عشان خاطرها؟”
جدي بصلها بكل برود وقالها: “أنا مبعتش بنتي.. أنتي اللي بعتي ضناكِ عشان الفلوس، ودلوقتي ملوكيش مكان هنا. المحامي بتاعك ياخدك من إيدك وتطلعي بره، ومن هنا ورايح، مريم وابنها في حمايتي أنا، والقرش اللي كان بيجيلك هيتأمن بيه مستقبل ابنها.”
أمي بصتلي بنظرة مليانة غل وكأنها مش مصدقة إن المحفظة ضاعت منها، والمحامي شدها من إيدها وخرجوا والباب اتقفل وراهم.
جدي قرب مني، قعد على الكرسي اللي جنب السرير، ومسك إيدي وباس راسي وقال: “امسحي دموعك يا بنتي.. الكابوس انتهى، وفلوسك وحقك وحق ابنك في جيبك، ومحدش هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش.”
لأول مرة من سنين، أخدت نفسي من غير ما أحس بوجع في صدري. الحكاية خلصت، وأنا وأبني أخيرًا بقينا أحرار.
بعد ما الباب اتقفل وراهم، الأوضة رجع فيها الهدوء من تاني. جدي فضل قاعد جنبي، ماسك إيدي بطريقة حسستني إن فيه جبل ضهر ساندني، جبل عمري ما هقع طول ما هو موجود.
بصيت للورقة اللي في إيده وقلت بصوت واطي: “يا جدي.. أنا مكنتش عايزة الأمور توصل لكده، بس هي مسبتليش فرصة.”
جدي طبطب على إيدي وقال بنبرة مليانة حكمة: “يا مريم يا بنتي، الشجرة اللي مش بتضلل على عيالها، قطعها أهون. أمك عاشت طول عمرها بتاخد ومبتديش، وكان لازم حد يوقفها عند حدها عشان تفوق، بس هي خلاص عماها الطمع. ركزي أنتي بس في صحتك وفي ابنك اللي جاي بالسلامة.”


