طمع الاهل حكايات صافي هاني

​في الأيام اللي بعد كده، جدي مسبنيش ولا لحظة. جابلي أكبر دكاترة يتابعوا حالتي وحالة البيبي، والحمد لله، الوجع بدأ يقل والكسور بدأت تِلم. سارة، المسعفة الجدعة، كانت بتعدي عليا في الأوضة كل ما الشفت بتاعها يخلص عشان تطمن عليا، وبقت صاحبتي بجد.

​من ناحية تانية، أمي ميتسكتش عنها. عرفت من قرايبنا إنها كانت هتتجنن؛ جدي نفذ كلامه بالحرف. سحب منها العربية الشيك، وبلّغها بإخلاء الشقة اللي عايشة فيها خلال أسبوعين، والمصروف اللي كان بيجيلها من ريع الأراضي وقف تماماً. حاولت تتصل بيا مية مرة، وتبعت رسايل عياط وتوسل، وبعدها رسايل شتيمة وتهديد، بس أنا كنت عملت لها “بلوك” من كل حتة في حياتي.. مش بس من التليفون.

​يوم خروجي من المستشفى، جدي جه ومعاه عربية كبيرة وسواق.

​قالي وهو بيساعدني أقوم: “يالا يا بنتي، بيتك الجديد مستنيكي.”

​جدي مخدنيش على شقتي القديمة، أخدني على فيلته الكبيرة في المعادي، وكان مجهز أوضة كاملة للبيبي الجديد بأحسن وأشيك العفش، وجايبلي ممرضة تاخد بالها مني لحد ما أقوم بالسلامة.

​وأنا واقفة في وسط الأوضة وببص على سرير ابني الصغير، حسيت لأول مرة من سنين براحة وأمان حقيقيين. مكنتش خايفة من بكرة، ومكنتش حاسة بالذنب إني قفلت الباب في وش أمي. أنا محرمتهاش من حاجة، أنا بس حرمتها من استغلالي.

​حطيت إيدي على بطني وهمست: “خلاص يا حبيبي.. إحنا بقينا في أمان، وعمر ما حد هيقدر يؤذينا تاني.”

 

عدت الشهور، وبطني بدأت تكبر، ومع كل يوم يمر كنت بحس إن الروح بترجعلي من تاني. فيلا جدي في المعادي بقت هي جنتي الصغيرة؛ جنينة واسعة، وهدوء مكنتش دايقاه بقالي سنين، وجدي اللي كان بيصحى كل يوم الصبح بس عشان يطمن أنا فطرت ولا لأ، ويقعد يتكلم مع بطني ويقول للبيبي: “تنور الدنيا بس يا بطل، وكل حاجة في الدنيا دي هتبقى تحت رجليك”.

​أمي في الفترة دي كانت بتحتضر اجتماعيًا. بعد ما طردها جدي من شقة الزمالك، وسحب منها الفيزا والعربية، شلتها القديمة كلها نفضت منها. الناس اللي كانت بتجاملها عشان بتعزمهم في “فالنتينا” والرحلات الـ (فرست كلاس) بقوا يعملوا نفسهم مش شايفينها لما تقابلهم في النادي. حاولت كذا مرة تيجي الفيلا عند جدي، بس أمن الكومباوند كان عنده تعليمات واضحة: “الست دي متبصش ع البوابة حتى”.

​وفي يوم، وأنا في أول التاسع، حسيت بوجع الولادة.

​الدنيا اتقلبت في البيت؛ جدي كلم المستشفى وخلال نص ساعة كنت في العمليات. الوجع كان شديد، بس المرة دي مكنش فيه خوف. كنت حاسة إن معايا جيش ساندني، وجدي واقف بره بيدعيلي، وسارة (المسعفة) اللي بقت زي أختي كانت وافقة معايا جوه بتشجعني.

​ساعتين.. وسمعت أحلى صوت في الدنيا. صوت عياط ابني.

​سميته “عوض”.. على اسم جدي. الراجل اللي عوضني عن كل قسوة الدنيا وعن غياب الأب والأم من حياتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *