طمع الاهل حكايات صافي هاني

​لما خرجت الأوضة، جدي دخل وهو شايل “عوض” في حضنه، وعينيه مليانة دموع فرحة. بصلي وقالي: “مبروك يا قلب جدك، الواد طالع شبهك، وعينيه فيها نفس اللمعة”.

​وإحنا قاعدين في الأوضة والناس بتبارك لنا، الباب اتفتح بالراحة.

​كانت أمي.

​شكلها كان متغير تماماً؛ لابسة لبس عادي من غير بهرجة، وشها باين عليه التعب والكسرة، ومفيش وراها لا محاميين ولا شلة. دخلت وهي بتبص في الأرض، وخطواتها تقيلة.

​جدي وقف وبص لها بنظرة حاسمة، بس هي رفعت إيدها وقالت بصوت مخنوق بالدموع: “مش جاية عايزة حاجة والله.. أنا بس.. عرفت إن مريم بتولد وجيت أشوف ابنها.. جيت أشوف حفيدي”.

​بصيت لها.. وملاقيتش جوايا أي غل، ولا حتى رغبة في الانتقام. لقيت بس “فضول بارد”.

​قالت وهي بتبص لعوض اللي في إيد جدي: “كنت فاكرة إن الفلوس هي كل حاجة.. ولما الكل سابني لما الفلوس راحت، عرفت إني كنت عايشة في كدبة. أنا آسفة يا مريم.”

​سكتّ ثواني، وبصيت لعوض، وبعدين بصيت لها وقلت بهدوء: “أنا مسمحاكي يا ماما.. مسمحاكي كإنسانة غلطت في حقي. بس مكـانك في حياتي وحياة ابني مش هيرجع تاني. المحفظة قفلت، والصفحة دي اتقطعت من زمان. تقدري تبصي عليه وتتمنيله الخير.. بس كجدة من بعيد لبعيد.”

​أمي عيطت، وطأت راسها، وقربت باست راس عوض وهو في إيد جدي، وبصتلي نظرة أخيرة فيها ندم العمر كله، ولفت وخرجت.. والمرة دي، قفلت الباب وراها بهدوء، من غير خناق ومن غير صريخ.

​بصيت لجدي، لقيت ملامحه مرتاحة، وبصيت لعوض اللي كان نايم في سلام.

​النهاردة بس، وأنا شالة ابني في حضني، قدرت أخد نفسي بجد. الحكاية بدأت بحادثة عربية كسرت ضلوعي، بس انتهت بأني واقفة على رجلي، قوية، حرة، ومعايا ابني وجدي.. ودي أحسن بداية لقصتنا الجديدة.

 

مرت سنة كاملة على اليوم ده. سنة بحالها اتغيرت فيها ملامح دنيتي، وعوض الصغير بقى بيمشي ويملى الفيلا حرك وشقاوة. جدي كان بيقعد في الجنينة يراقبه وهو بيجري ورا الكورة، وضحكته كانت بترد في المكان وكأنه صغر عشرين سنة.

​أنا كمان رجعت لشغلي وحياتي، بس بنظرة تانية خالص للدنيا. بقيت أقوى، ومبقاش فيه أي حاجة تقدر تهزني أو تخليني أحس بالذنب عشان أخدت حق نفسي.

​أمي ملتزمتش الصمت تماماً في الأول، حاولت كذا مرة تبعت هدايا لعوض مع ناس من قرايبنا، أو تكتب بوستات على الفيسبوك عن “ألم الفراق وحنين الجدة”، بس جدي كان حاسم؛ الهدايا كانت بترجع زي ما هي، وأنا مكنتش بتابع ولا بقرا. النفوس اللي بتتكسر بسبب الطمع، مبترجعش سليمة بكلمتين ندم. هي عاشت حياتها تختار الـ (فرست كلاس)، ودلوقتي كان لازم ترضى بالدرجة الأخيرة اللي اختارتها لنفسها لما باعت بنتها.

​وفي يوم عيد ميلاد عوض الأول، عملنا حفلة صغيرة في جنينة الفيلا. مكنش فيها مظاهر فخفخة كدابة، كان فيها بس الناس اللي بيحبونا بجد. سارة كانت موجودة، وجايبة لعوض عربية صغيرة بيمشي بيها، وجدي كان قاعد على الكرسي بتاعه والبهجة مالية وشه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *