طمع الاهل حكايات صافي هاني

​مش فاكرة أنا رديت قلت إيه. أظن إني تمتمت بـ “هبقى أشوف”، أو يمكن مقلتش حاجة خالص. لأن فجأة جالي زنين سخن في وداني، والوجع في صدري زاد، والدنيا بدأت تلف بيا.

​سارة قالت بنبرة حادة ومن غير ما تخبي ضيقها: “يا مدام، بنتك لسه عاملة حادثة خطيرة. إحنا في وسط إسعافها دلوقتي. لازم نقفل”.

​جه صوت فحيح من الناحية التانية: “أنتي مين أصلاً؟”

​سارة قالت بنبرة حاسمة ومحترفة بس صوابعها كانت بيضا من كتر ما هي كابسة على التليفون: “أنا المسعفة اللي طلعتها من عربية مفعوصة، ولازم نقفل المكالمة دي حالا”.

​أمي ردت عليها بقلة ذوق: “طب قولي لها تحول الفلوس وهي لسه في وعيها، طالما قادرة تبص في السقف يبقى قادرة تفتح أبلكيشن البنك. ولا أنتوا عندكم حساسية من السرعة في المكان ده؟”

​سارة قفلت السكة في وشها.

​كده ببساطة. من غير سلام ولا كلام. داس على الزرار الأحمر وحطت التليفون براحة وهدوء مبالغ فيه عشان متمسكوش ترميه في الأرض.

​السكوت حل في المكان بعد ما صوت أمي اختفى، سكوت تقيل وله صدى. فضلت باصة للتليفون، ولإيديا اللي عليها آثار دم، وللون الأبيض الناصع بتاع البطانية، وحسيت بحاجة جوايا… بتتغير.

​مش بتتكسر. مش بالظبط كده.

​كانت أشبه بقطعة بازل ركبت في مكانها الصح أخيرًا.

​بقالي 29 سنة بجي على نفسي وبتشقلب عشان أطلع بالشكل اللي أمي عايزاه: البنت المطيعة، المرتب المضمون، صندوق الطوارئ. كنت بفسر ده على إنه حب. كنت بقول لنفسي إن ده اللي الأهل بيعملوه.. بيساعدوا بعض.

​بس دلوقتي، وأنا مرمية هنا وضلوعي بتحك في بعض مع كل نفس باخده، ومصير ابني مش معروف، الحقيقة صدمتني، واضحة ومش محتاجة نقاش.

​أنا مكنتش بنتها.

​أنا كنت المحفظة بتاعتها.

​والحكاية دي خلصت لحد هنا.

 

مرت الساعات وأنا بين الأشعة والسونار، والحمد لله، نبض ابني كان سليم. لسه جوه بطني، بيقاوم معايا. اتنقلت أوضة عادية في المستشفى، وبدأ مفعول المسكنات يهديني شوية، بس عقلي مكنش هادي.

​أول ما بقيت لوحدي، مسكت التليفون. إيدي كانت بتترعش بس تفكيري كان حامي وزي الموس. فتحت أبلكيشن البنك، وبخطوات سريعة لغيت التوكيل اللي كنت عاملاه لأمي على حسابي، وغيرت الباسورد، ووقفت الكارت الإضافي اللي معاها. شلت المحفظة من إيدها للأبد.

​بعد أقل من ساعة، الباب اتفتح هجوم.

​أمي دخلت الأوضة زي الإعصار، وشها كان أحمر من الغل، ولابسة نضارتها الشمس الكبيرة رغم إننا بالليل. وراها عل طول دخل راجل ببدلة شيك وشنطة جلد.. المحامي بتاعها.

​زعقت وهي بتشاور في وشي: “أنتي اتجننتي يا مريم؟ الكارت اترفض قدام الناس في المطار! نزلوني من الطيارة وضيعتي عليا الرحلة والكوافير! أنتي فاكرة نفسك إيه؟”

​المحامي خطى خطوة لقدام وقال بنبرة رسمية باردة: “المدام وكلتني أرفع قضية حجر ونفقة أقارب، وبصفتي المستشار القانوني ليها، بنصحك تحولي المبلغ فوراً وتكتبي إقرار بالتزامك بالمصروف الشهري، وإلا…”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *