بعد خمستاشر سنه حكايات صافي هاني

أبويا طردني لما عرف إني حامل من غير ما يفهم الحقيقة. بعد خمستاشر سنة، أهلي جوم يزوروني أنا وابني… واللي شافوه خلاهم يتجمدوا في مكانهم وميعرفوش ينطقوا بكلمة. “عملتي إيه؟!”… صوت زعاق أبويا رج البيت كله لدرجة إن البرواز اللي على حيطة الممر اتهز. كنت لسه واقفة جنب الباب ومعايا شنطة هدومي في إيد وتحليل الحمل الإيجابي في الإيد التانية لما شده مني، قراه مرة واحدة، ووشه اتخطف لدرجة عمري ما شفتها على وش بني آدم قبل كده.
“أنتِ حامل؟” صرخ فيا. “في بيتي؟”
أمي حطت إيدها على بقها وبدأت تعيط. أختي الصغيرة كانت بتبص عليا من على السلم وكأنها بتتفرج على كارثة بتحصل بالعرض البطيء.
قلتله: “يا بابا، عشان خاطرك، أنت مش فاهم”.
“أنا فاهم كويس أوي”. شاور على الباب وصابعه بيرتعش: “بتجيبيلنا العار وعايزاني أساعدك تداري عليه؟”
“أنا مش طالبه منك تداري حاجة”.
صرخ فيا: “امال قولي اسمه! مين أبوه؟”
زوري اتقفل ومعرفتش أنطق.
وده كل اللي كان محتاجه عشان ياخد قراره.
شد شنطتي من الدولاب اللي في الطرقة ورماها برا على العتبة، ورمى وراها محفظتي. أمي همست باسمه وهي بتترجاه يوقف، بس محاولتش تقف في وشه أو تمنعه. ولا حد عمل كده.
قاللي وصوته هدي وبقى أبرد من الزعاق: “اطلعي برا، لو خرجتي من الباب ده مفيش رجوع تاني”.
كان المفروض أعيط، كان المفروض أترجاه.
بس بدال كل ده، ابتسمت.
مش عشان مكنتش موجوعة، بس عشان لو فتحت بوقي الحقيقة كانت هتطلع، والحقيقة كانت ضلمة وأسوأ بكتير من موضوع الحمل.
أخدت شنطتي وخرجت في ليلة مارس الباردة.
بعد خمستاشر سنة، سمعت رزع شديد على باب بيتي بعد نص الليل.
بصيت في شاشة كاميرا الأمان ونفسي اتقطع.
أبويا وأمي كانوا واقفين برا.
وبينهم كان واقف الشخص الوحيد اللي كان المفروض يكون مات – أختي راشيل – وشها كان مخطوف وبترتعش، وكانت باصة للكاميرا كأنها عارفة إني شيفاها.
وفجأة سمعت صوت ابني من ورايا.
همس وهو مرعوب: “ماما، هي خالتو راشيل بيجيبوا سيرتها في الأخبار ليه؟”
كنت فاكرة إن أسوأ ليلة في حياتي هي الليلة اللي أبويا طردني فيها. بس طلعت غلطانة. بعد خمستاشر سنة، خبطة واحدة على الباب رجعت حقيقة عمرها ما اتدفنت… وابني شافها في نفس اللحظة اللي أنا شفتها فيها.
فتحت الباب وإيديا بترتعش، ونظراتنا اتلاقت في صمت قاتل. أبويا اللي كان قاسي وفي يوم من الأيام رماني في الشارع، كان واقف قدامي ودموعه نازلة، وأمي ساندة على كتفه وبتترعش. وبينهم كانت راشيل… أختي اللي عشنا خمسة عشر سنة فاكرين إنها ماتت أو اختفت للأبد، كانت واقفة زي الشبح.
”أنا أسف يا بنتي…” أبويا نطق الكلمة دي وصوته مكسور، مكسور لدرجة خلتني مش قادرة أصدق إن ده نفس الراجل اللي طردني. “إحنا عرفنا كل حاجة… عرفنا الحقيقة اللي خبيتيها عشان تحمينا.”
ابني مشي براحة ووقف جنبي، عينه رايحة جاية بيني وبين أخته اللي لسه مذهولة، وبين التلفزيون اللي وراه في الصالة واللي كان شغال على خبر عاجل وصورة راشيل مالية الشاشة وتحتها عنوان: “العثور على الفتاة المفقودة بعد 15 عاماً من الاختطاف… والقبض على الجاني.”




