تركوها في وسط الطريق حكايات صافي هاني

بعد خمس أيام بالظبط من يوم ما عرفت إني مريضة بالسرطان، جوزي رمالي ورقة طلاقي. وبكل برود قالي: “أنا مش هضيع فلوسي ولا شبابي على واحدة عيانة”. عشت سنين باتعالج بالكيماوي وربيت ولادي لوحدي من غير ما أمد إيدي لحد. ودارت الأيام وجه يوم تخرج بنتي، وفجأة ظهر هو ومراته الجديدة ومعاهم مفاتيح عربية سبور فخمة… بس اللي بنتي عملته معاه بعد كده خلاني واقفة مش مصدقة وعاجزة عن الكلام.

​بالظبط بعد 120 ساعة من يوم ما الدكتور في المستشفى قالي إن المرض اللي عندي شديد ومنتشر، دخل عليا طارق ومضى على ورق الطلاق ورماه قدامي على السفرة.

​لا كلمة تطمن.

ولا حتى مسك إيدي يسندني.

ولا قال لي “هنعدي الأزمة دي سوا”.

​مفيش غير ورق الطلاق وبس.

​المصيبة إنه كان سحب كل القرشين اللي حيلتنا وشقانا طول العمر من البنك، وسابلي 4 آلاف جنيه بس من أصل 110 ألف، وكتبلي ورقة صغيرة: “دول عشان مصاريف الدكاترة الأولانية”.

​الراجل اللي عشت معاه وصنته 22 سنة، بص في عيني وقالي: “أنا مش هقضي أحسن سنين في عمري أربخ جنب واحدة بتموت بالبطيء”.

​وبعدها بأيام، خد عربية جديدة زيرو واشترى شقة تانية، واتجوز شيرين، البنت اللي أصغر مني بكتير.

​يومها كانت قاعدة جنبه في العربية، وبصتلي بابتسامة صفراء وقالتلي: “يا حبيبتي أهم حاجة طاقتك الإيجابية عشان المرض!”

​واختفوا هما الاتنين.

​ومن هنا بدأت رحلتي في عذاب ملوش آخر.

​جلسات كيماوي تقعد بالـ 7 ساعات متواصلة.

تعب وترجيع ووجع يهد الحيل كل يوم الساعة 3 الفجر.

والخوف من الفقر وقلة الحيلة كان كابس على نفسي كل ثانية، ومش عارفة هصرف على ولادي منين.

​اضطريت وقتها أبيع العربية الفيات القديمة اللي كانت ريحة أبويا الله يرحمه في الدنيا، عشان أقدر أدفع مصاريف جامعة بنتي مريم، بعد ما أبوها رمانا ورفع إيده عننا تماماً ومبقاش يدفع مليم واحد.

​مريم كان عندها 17 سنة، ورغم صغر سنها بقت هي اللي بتخدمني، وهي سندي ومصدري الوحيد للقوة، والسبب اللي مخليني أقاوِم وأحارب عشان أعيش.

​بعد 4 سنين من العذاب، ربنا شفاني والورم اختفى تماماً.

ومريم بنتي ربنا كرمها وطلعت من الأوائل، وجالها منحة كاملة في الجامعة الكبيرة.

​وقلت الحمد لله، الشدة زالت وكل التعب بقى ورا ضهرنا.

​لحد ما جه يوم الحفلة وتخرجها من الجامعة، وظهرت أشباح الماضي من تاني.

​والناس كلها خارجة وفرحانة في الشمس بعد الحفلة، لمحنا طارق وهو بيشاور لمريم عشان تروح وراه ناحية مكان ركن العربيات المميزة.

​وهناك، كانت واقفة عربية رينج روفر سوداء فخمة بتبرق تحت الشمس، ومربوط عليها شريط ستان أحمر كبير بتاع الهدايا.

​شيرين كانت بتتنطط جنبها وهي بتصور لايف على الموبايل وفرحانة أوي وتصوت: “مفاجأة! الأحسن ميروحش غير للأحسن، أحلى عربية لأجمل خريجة عشان تليق بمستواها!”

​طارق كان بيعمل حركات بمفتاح العربية الفضة في إيده بكل فخر وتكبر وقالي: “العربية دي فيها كل حاجة يا مريم.. في الجامعة والمجتمع ده المظاهر هي كل حاجة، لازم لما تقفي في وسط زمايلك يعرفوا ابن مين وإنتِ بنت عز ومن مستواهم.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *