كسبت تسعه وتمانين مليون حكايات صافي هاني

وأنا عندي 71 سنة، كسبت 89 مليون دولار ومجبتش سيرة لأي مخلوق. وفجأة ابني قالي: “أمي، هو أنتِ هتنقلي إمتى بقى؟” مشيت من سكات ومن غير ولا كلمة خناق واحدة.. وتاني يوم الساعة 7:30 الصبح، كنت اشتريت بيت أحلامهم باسم غريب، اسم حتى متعبوش نفسهم يفتكروه.
ابني زق كرسيه لورا وبصلي كأني فاتورة زهق من دفعها. طارق قالي: “أمي، هو أنتِ هتنقلي إمتى بقى؟”
كنت بناولهم عيش العشا الساعة 6:18 مغرب ليلة ما قالها.
ترابيزة البيت الكبيرة كانت طويلة ومتلمعة وساقعة تحت صوابعي. الفراخ المشوية كانت بردت جمب البطاطس المهروسة. وريحة الفاصوليا الخضراء كانت توم خالص. فجأة التلج طقطق في كاس المية بتاع رانيا، طقطقة واحدة حادة وصغيرة، كأن الأوضة نفسها انشقت نصين.
اسمي ميرفت بركات. عندي واحد وسبعين سنة. من سنتين، جوزي حسين مات في الإسكندرية، وابني طارق قالي وقتها ميعشيش لوحدي.
قالي: “لفترة قصيرة بس”.
عشان كده بعت مطبخي الأصفر، والممر اللي بيزيق، وشجر الورد، والبلكونة اللي حسين كان بيقعد يشرب فيها الشاي وقت الشروق.
بيت طارق في التجمع كان شبه مجلات الديكور اللي مفيش مخلوق مسموح له يلمسها. دواليب بيضا. إكسسوارات سودا. حمام سباحة متغطي. جراج يشيل تلات عربيات. ثلاجة مليانة لبن لوز وجبنة صوابع ونظام حياة غريب عمري ما حسيته بتاعي.
رانيا، مرات ابني، كانت بتسمي الأوضة الفاضية “أوضة الضيوف”، بس كانت بتقولي متحضريش الكرسي من مكانه عشان “الأوضة تطلع حلوة في التصوير”.
ولمدة سنتين، كنت بطبق الفوط. وبجهز علب الغدا. وبمضي على ورقة أذونات المدرسة. وأوصل العيال لتمرين الكورة وبيانو. وعرفت أنهي طاسة رانيا بتحب تقلي فيها البيض، وأنهي كاس طارق بيعوزه يفضل نضيف جمب مكنة القهوة.
دي كانت طريقتي عشان أقولهم إني واثقة فيهم؛ إني تحت أمرهم، وبساعدهم، وساكتة.. ومستحملة حزني في سكات.
لحد ما جه يوم، وسابولي ورقة جمب مكنة القهوة بدل ما يعزموني معاهم على الفطار.
وفي بعد ضهر يوم تاني، سمعت رانيا من ورا باب أوضتها بتقول: “دي بتاكل من أكلنا، وبتستخدم حاجتنا، وهي بتشارك بإيه بالظبط هنا؟” وطارق عمره ما رد عليها ولا غلّطها. ولا مرة واحدة.
الليلة اللي طارق طلب مني فيها أمشي، حفيدي بطل يقلب في تليفونه. وشوكة حفيدتي فضلت متعلقة فوق البطاطس. رانيا بحلقت في طبقها، بس بوقها كان مزموم كأنها مشاركة في تحضير السؤال ده.
الأوضة اتجمدت بالمنظر النضيف والمخيف اللي العيلة بتتجمد بيه لما القسوة تتقال عيني عينك في الوش. الشوك وقفت. الفوط فضلت متطبقة. والشمعة اللي على البوفيه فضلت منورة. نقطة مية من التلج نزلت على كاس رانيا، والعيال باصين للترابيزة كأنها هي اللي هتقولهم هيبقوا بني آدمين شكلهم إيه بعد كده.
محدش اتمطع من مكانه.
ولثانية واحدة قبيحة، اتخيلت نفسي وأنا بقولهم. اتخيلت شكل وش طارق وهو بيعرف إني في فبراير، بعد ميعاد التأمين الصحي، اشتريت تذكرة لوتاري من بنزينة عشان العامل هناك كانت ريحته سجاير ولبان قرفة، وحسين كان دايماً بيقول إن الحظ ساعات بيلبس جزمة متوسخة.



