حياة من ورق حكايات صافي هاني

المشهد الأول: حياة من ورق
تخيل نفسك خارج من اجتماع بمليارات الجنيهات، دماغك كلها عقود، ومستثمرين، وأرقام.. وفجأة تقابلك طفلة صغيرة في الشارع وتشدك من هدومك وتقولك: “بالله عليك يا عمو، ساعدني أدفن أختي!”؟
الحكاية تبان كأنها مشهد من فيلم سينما.
بس بالنسبة لـ “محمود”، اللحظة دي بالذات كانت الخط اللي قسم حياته نصين.
قبل الظهرية دي، محمود كان من نوعية الرجالة اللي الناس بتبص لها من بعيد بإنبهار. رجل أعمال تقيل، صاحب شركة تكنولوجيا ضخمة، مكتبه كله قزاز في قزاز، وعايش في “بنتهاوس” يطل على النيل، وعنده فلوس تخلي الناس توطي صوتها وتتكلم بهمس أول ما يدخل المكان. جدول مواعيده متقفل بالدقيقة عن طريق سكرتارية، وإمضاء واحد منه بيحرك ملايين، وبدله شكلها ميعرفش يعني ايه كراسي عادية.
قدام الدنيا كلها، الراجل ده كان هو “النجاح” نفسه وهو ماشي على رجلين.
لكن ورا كل المظاهر والشياكة دي، محمود كان عايش من غير روح من يوم ما مراته “كريمة” اتوفت من تلات سنين. ومن وقتها، مكنش حاسس إنه بني آدم عايش؛ كان حاسس إنه عامل زي المكنة الشغالة لمجرد إنها تعدي يوم كمان، وبعده ليلة كمان، وبعدها يصحى على صباح جديد هو أصلاً مطلبهوش.
يومه كله كان بيبدأ من قبل الفجر. الوقت بيتدفن تحت الاجتماعات، والمكالمات، وتقارير مجلس الإدارة، والإيميلات اللي مبعوتة في أوقات غريبة زي 6:12 الصبح أو 11:47 بالليل. وكل ليلة كانت بتنتهي في بيت هادي لدرجة تخلي صوت زنة الثلاجة مسموع بوضوح ومزعج.
كل ما كان بيشغل نفسه أكتر، كل ما كانت المساحة بتقل في دماغه للذكرى الوحيدة اللي مش عارف يهرب منها..
”كريمة” وهي على سرير المستشفى.
أجهزة العناية المركزة.
وش الدكتور وهو باصص في الأرض.
والجملة اللي حفرت جوا قلبه جرح مبيلمش: “شد حيلك يا أستاذ محمود.. عملنا كل اللي نقدر عليه، والباقي على ربنا”.
المشهد الثاني: صوت في الزحام
في يوم تلات من أيام طوبة، الجو برا كان ساقعة ومطر خفيف، من نوع الجو اللي يخلي الهدوم تلزق على ضهرك من الرطوبة. محمود لسه خارج من اجتماع مع مستثمرين أجانب الساعة 1:38 الظهر. الأرقام كانت ممتازة، والصفقة خلصت زي الكتاب ما بيقول. المحامين علموا على العقود النهائية للمراجعة، ومساعده بعتله رسالة إن الشروط المعدلة بقت في الإيميل خلاص.
كل حاجة مشيت بالمسطرة، بالظبط زي ما هو عايز.
بس هو مكنش حاسس بأي حاجة.
برا في الشارع، صوت العربيات كان عالي وهي ماشية على الأسفلت المبلول. ريحة عربية فول واقفة على الرصيف، وصوت مروحتها طالع. واحد قهوته اتدلقت على الرصيف وهو بيجري وسط الموظفين اللي ماشيين بسرعة، شايلين شنط الغدا وكوبايات الشاي في إيديهم، والموبايلات على ودانهم. البلد كانت زحمة، ودوشة، والكل بيتحرك.
محمود كان حاسس إنه زي خيال مآتة ماشي وسط حياة ناس تانية.




