دمر جوز بنته حكايان صافي هاني
المسجون الجديد مسك حتة من جرنال كانت ملفوفة فيها حاجة، وبص فيها وقال بذهول: “يا نهار أبيض! شوف الست دي.. فازت بجائزة سيدة العام، شكلها بنت عز وصاحبة ملايين.”
ماجد خطف نظرة على ورقة الجرنال المتبهدلة. كانت صورة شاهندة وهي بتتسلم الجائزة، وجنبها أبوها الحاج إسماعيل بيضحك وباصص لها بفخر.
ماجد حس بقلبه بيتعصر، الدموع نزلت من عينيه ونزلت في طبق الأكل. طوى الجرنال بالراحة وحطه تحت مرتبته الصوف الخشنة، ونام على ضهره وبص لسقف الزنزانة الضلمة، وهو عارف إن دي عقوبته الأبدية.. إنه يشوفهم بيطلعوا لسابع سما، وهو هيفضل مدفون في سابع أرض، يفتكر كل يوم المكالمة اللي ضيعته، والراجل اللي قاله: “كمل دعا”، وسابه ومشي.
ومرت الأيام والشهور، ودارت الدائرة لفتها الأخيرة.
بعد مرور تمن سنين كاملين جوه أسوار السجن، خرج ماجد الشرقاوي “إفراج مشروط” لحسن السير والسلوك وبسبب حالته الصحية اللي تدهورت تماماً.
يوم خروجه، وقف بره بوابة السجن الكبيرة، لابس هدوم قديمة ومبهدلة، وفي إيده كيس بلاستيك أسود فيه بقية كراكيبه. بص حواليه، تاه في زحمة الشارع وصوت العربيات، مبقاش عارف يروح فين ولا يجي منين. أهله قاطعوه من زمان، وأصحابه بتوع السهر واليخوت نسوا اسمه أصلاً.
بقى يتنقل من رصيف لركبة، يشتغل أي شغلانة باليومية عشان يجيب لقمة ياكلها، من بواب عمارة، لعامل نظافة في محل، والكل كان بيمشيه أول ما يعرفوا إنه رد سجون.
في يوم من الأيام، رجله سحبته ولقى نفسه واقف في شرم الشيخ، المكان اللي شهد على عزه وطمعه ونهايته. كان ماشي على كورنيش المارينا بالليل، الجو كان ساحر، والأنوار مسمعة في المية.
وفجأة، عينه جت على يخت ضخم، نضيف وبيلمع زي الألماظ، ومكتوب عليه بالدهب: “بنت العقاد”.
ماجد اتسمر في مكانه، دقات قلبه سرعت، ودموعه نزلت من غير ما يحس. قرب كام خطوة وبص على سطح اليخت.
كانت شاهندة واقفة، زي ملكة متوجة، لابسة فستان سهرة بسيط وفخم، وبتقود حفلة عمل كبرى لشركتها. وراها كان واقف راجل محترم، باين عليه ابن أصول وشريك حياتها الجديد، شايل على كتفه طفل صغير عنده حوالي أربع سنين، شبه شاهندة بالملي. شاهندة لفت، وبست الطفل في خده وضحكت ضحكتها الصافية اللي كانت دايماً محرومة منها زمان.
ماجد كان واقف ورا الشجر في الضلمة، بيترعش من البرد والندم، باصص على الجنة اللي خسرها بإيديه عشان شهوة وطمع وعيلانية. عرف ساعتها إن العقاب الحقيقي مش قضبان السجن.. العقاب الحقيقي هو إنه يفضل عايش يشوف اللي خانها وهي عايشة حياتها في قمة السعادة والنجاح، وهو مجرد شبح ملوش وجود.
لف ضهره ومشي في الضلمة، وهو بيجر رجليه على الرصيف، والضحكات بتاعة شاهندة وابنها لسه بتطن في ودنه، بتفكره بإن الأب اللي دافع عن بنته زمان، ساب لها ورث يحميها العمر كله، وساب للخاين حسرة بتاكل في قلبه لآخر نفس في عمره.



