دمر جوز بنته حكايان صافي هاني
شاهندة بصت لأبوها وقالت بصوت هادي بس مليان ممتنة: “أنا أسفة يا بابا.. أسفة إني مسمعتش كلامك من الأول، وصدقت المظاهر.”
إسماعيل ساب البرتقانة من إيده، وطبطب على راسها وحاسب على شعرها وقال لها بحنان يهز الجبال: “تتأسفي على إيه يا قلب أبوكي؟ طول ما فيا نفس بيطلع وينزل، مفيش كلب في الدنيا يقدر يكسر لك جفن، ولا يلمس شعرة منك. أنتِ العقاد.. والعقاد لما يقع، بيقوم أقوى من الأول.”
في نفس اللحظة، في حجز ترحيلات سجن طرة…
كان ماجد قاعد في ركن الضلمة، لابس جلابية السجن البيضا المقلمة اللي بقت واسعة عليه من الهم والجوع. شعره نكش، ودقنه طولت، وريحة البرفان الغالي اتنست وبقت ريحته عرق وتراب.
كان قاعد وسط المجرمين والمسجلين خطر، ومفيش في إيده غير كوز مية صاج بيشرب منه وهو باصص للأرض، وعارف إن قدامه 15 سنة سجن مش هيشوف فيهم الشمس، وكل ده بسبب مكالمة واحدة من راجل عرف يحمي بنته ويدوس على اللي خانها بجزمة قديمة.
مرت سنتين كاملين على اليوم ده.
شرم الشيخ لسه منورة وشمسها دافية، وفي مارينا اليخوت، اليخت اللي كان زمان اسمه “نور شاهندة” اتغير وبقى مكتوب عليه بحروف دهب كبيرة بتلمع: “بنت العقاد”. اليخت بقى نضيف وزي الفل، ومبقاش يدخله أشكال ضالة ولا كاسات وخيانة، بقى ملك صاحبتها الحقيقية.
على سطح اليخت، كانت شاهندة واقفة سانة إيديها على السور، الهوا بيطير شعرها، ولابسة فستان أبيض رقيق، ووشها راجعاله صحته وضحكته الصافية. مبقتش شاهندة الضعيفة المكسورة اللي بتصدق أي كلمتين حلوين؛ التجربة صقلتها وخليتها تمسك شغل أبوها وتديره بذكاء حديدي، لدرجة إن السوق كله بقى يعمل لها ألف حساب ويقولوا: “الحية خلفت تعبان.. دي بنت إسماعيل العقاد.”
أبوها كان واقف وراها، باصص لها بفخر وهو بيشرب قهوته الصبح. قرب منها وطبطب على كتفها: “جاهزة يا سيادة المستثمرة؟ الوفد الأجنبي مستنينا في الشركة عشان نمضي عقد القرية السياحية الجديدة.”
شاهندة لفت وبسته على راسه: “جاهزة يا بابا.. طول ما أنت ظهري وسندي، أنا مبقاش عندي حاجة أخاف منها.”
في نفس اللحظة، وعلى بعد مئات الكيلومترات…
في ورشة النجارة التابعة لسجن طرة، كانت الشمس حامية وحارقة. ماجد كان واقف ضهره مقوس، شايل لوح خشب تقيل على كتافه، وعرقان وجلابية السجن زرقا ومبقعه بالتراب والنشارة. إيديه الناعمة اللي كانت زمان مبتشيلش غير الكاسات وقلم التوقيع، بقت متشققة ومتبهدلة ومليانة جروح من الخشب.
”أخلص يا مسجون منك ليه! ورانا تسليم طلبيات!” صرخ العسكري وهو بيخبط بالعصاية على التربيزة.
ماجد نزل لوح الخشب وهو بينهج، وقعد على الأرض في ركن ضلمة بياخد نفسه. بص لإيديه المتبهدلة، واهتك عينه في الأرض وهو بيفتكر الأيام اللي كان عايش فيها ملك، بيصرف من فلوس البنت اللي خانها وسابها تموت. افتكر الحفلات، البرفانات، اليخت، والفيلا… كل حاجة راحت في ثانية، وبقى مجرد رقم في دفتر السجن، ملوش قيمة ولا حد بيسأل عليه، حتى أهله اتبيروا منه بعد الفضيحة.



