جوزي سابني انا وابني حكايات صافي هاني

جوزي سابني وساب ابننا اللي يدوب عنده تلات أيام، وكان بيتكتك من البرد، وطار مع عشيقته. وفي الوقت اللي كانوا بينزلوا فيه صور العصير والغروب، كنت أنا بصوت في التليفون وأنا حاضنة ابني اللي كان بيموت بين إيديا، وبتوسل للإسعاف عشان تلحقنا. بعد خمس أيام، رجعوا البيت بشرتهم برونزية من الشمس وبيضحكوا، والشنط في إيديهم. أول ما جوزي شاف السرير الفاضي، همس وهو مصدوم وابتسامته اختفت تماماً: “ابني فين؟”.

​أول مرة جوزي دمر حياتي فيها، عملها وهو قاعد في بار على البحر، بيضحك تحت منظر الغروب البرتقالي. ابننا كان لسه يدوب عنده تلات أيام، ملفوف في بطانية زرقا، وبيحارب عشان النفس، في نفس الوقت اللي دانيال كان بيرفع فيه كاسه مع الست اللي حلف لي إنها “مجرد عميلة شغل”.

​اتصلت بيه تمنتاشر مرة.

وفي المرة العشرين الخط فتح على طول على البريد الصوتي.

​كنت بعيط في التليفون وبقول له: “دانيال، أرجوك، ابتك من صدمة البرد وجسمه الصغير كله بيرييل وبيرتعش، الولد حرارته نار! محتاجة العربية.. محتاجاك أنت!”.

بطارية تليفوني ريشت وبقت 1%.. وبعدها الشاشة ضلمت وماتت.

​في الوقت ده، المطر كان بيخبط في شبابيك بيتنا اللي في الضواحي، البيت اللي دانيال كان بيموت في المنظرة بيه على السوشيال ميديا. وجوه البيت، كنت قاعدة على أرضية أوضة الأطفال، لبسي متبهدل، وابني لسه مولود ومشنق ومش قادر ياخد نفسه، كأن الهوا اتجمد وبقى زي الازاز في صدره.

​دانيال كان واخد معاه نسختين مفاتيح العربية.

ولاقيته واخد محفظتي كمان بالمرة، تفتيش ولا قسوة منه؟ مكنتش عارفة ومبقتش فارقة.

​زحفت لحد الصالة وفضلت أخبط على الحيطة بكل قوتي لدرجة إن إيديا اتعورت وجابت دم. جارتنا الست ألفاريز سمعت صوت الخبط من وسط العاصفة، وجت لقتني حافية، بترعش، وحاضنة نوح بكل غل يدي كأن دقات قلبي هي الحاجه الوحيدة اللي هتعيشه.

​في المستشفى، وبعد ساعات، الممرضة خدت نوح من حضني بالعافية والدكاترة جريوا بيه. مش فاكرة غير الإضاءة البيضا الشديدة، وصوت أجهزة الإنذار، وصوتي أنا وأنا بقول: “يا رب خدني أنا مكانه”؛ فضلت أكررها لحد ما الدكتور مسك كتفي وقالي: “اهدي واتنفسي”.

​حماتي، فيفيان، وصلت المستشفى قبل دانيال. مش عشان تساعدني، لأ، دي جاية تظبط الحكاية وتلم الدور.

​ظبطت حلق اللولي بتاعها وقالت لي بهمس: “منظرك حسيس كده وشكلك مش مظبوط.. إياكي تقولي للناس إن دانيال مكنش موجود، عيب وبتقلل منه”.

بصيت لها وأنا متبنجة ومش حاسة بحاجة.

قربت مني أكتر وقالت: “الرجالة بتغلط، بس الأمهات العاقلة هي اللي بتحمي بيوتها”.

​على الصبح، كانت صور رحلة دانيال مغرقة الدنيا. هو وسيليست شريكته في مكتب العقارات، واقفين حافيين في بلكونة خاصة، وهو بيبوسها، والتعليق على الصورة: “أخيراً حر!”.

​سجلت كل المنشورات دي وحفظتها عندي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *